فهرس الكتاب

الصفحة 140 من 438

{وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا(3)}

ومن هذا الباب أيضا قوله: {وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ} وهل يصيرون مقسطين في اليتامى بنكاحهم النساء، وكيف يكون ذلك وهم عند نكاح النساء أعجز عن القسط والعدل في اليتامى، وأيّ تناسب بين هذا الكلام؟

فيقال لهم: ليس الأمر في هذا أيضا على ما قدّرتم، وذلك أنّ الله شبّه خوفنا بالعجز عن العدل والقسط في اليتامى، بعجزنا عن العدل بين أكثر من أربع نسوة، لو أطلق لنا نكاح أكثر من أربعة، فقال كما تخافون أن لا تعدلوا بين اليتامى إذا كفلتموهم، فخافوا أيضا أن لا تعدلوا بين النساء إذا نكحتموهنّ وأكثرتم منهن، فانكحوا إذا كنتم تخافون ذلك اثنتين وثلاثا وأربعا، ولا تتجاوزوا ذلك، لا تقصّروا وتعجزوا عن العدل بينهن، ثم قال وإن خفتم أيضا أن لا تعدلوا بن الاثنتين والثلاث والأربع فانكحوا واحدة، واقتصروا معها على ما ملكت أيمانكم من الإماء، ذلك أدنى أن لا تعولوا، أي لا تميلوا وتجاوزوا.

وقد روي هذا الذي قلناه بعينه عن ابن عباس؛ فإنّه قال: «قصر الرجال على أربع من أجل اليتامى فيقول لما كان النساء مكفولات بمنزلة اليتامى، وكان العدل على اليتامى صعب شديد على كافلهم قصر الرجال على ما بين الواحدة إلى الأربع من النساء، ولم يطلق لهم ما فوق ذلك لأن لا يميلوا» .

وإذا كان ذلك كذلك بطل توهّمهم وزال تعجّبهم.

وقد قيل: إنّ تأويل هذه الآية أنّه قد كان مباحا لهم في صدر الإسلام أن ينكحوا ربائبهم اللاتي في حجورهم من نسائهم اللاتي دخلوا بهنّ، وأن منهم من كان يخاف أن لا يعدل بين الربيبة وبين غيرها ممن ليست بربيبته، لكونه واليا على الربيبة ومربيا لها ومستوليا على أمرها فقال لمّا علم ذلك من حالهم: وإن خفتم أن لا تقسطوا في اليتامى إذا أنتم نكحتموهنّ وتزوجتم بهنّ فيما يتعلق بحقوق الزوجية والعدل بينهنّ وبين غيرهن، فانكحوا غيرهنّ من النساء اللاتي ليس في حجوركم ولا لكم عليهنّ ولاية لتحسم أطماعكم في تحيّفهن، وهذا تأويل صحيح.

وقيل أيضا: إنّ تأويل الآية أنّكم إن خفتم أن لا تعدلوا في اليتامى الأطفال إذا تزوجتم بهنّ وكنّ ذوات أموال تخافون أخذها وأكلها بالباطل وعجز الأطفال عن منعكم منها وصدّكم عنها، واستيفاء ما تتلونه منها، فانكحوا ما طاب لكم النساء البذّل القادرات على تدبير أموالهنّ، ومنعكم من تخطّفها؛ لأنّكم تكونون عند ذلك أبعد في أكل أموالهنّ بالباطل، والاعتداء عليهن، وهذا أيضا قريب ليس ببعيد.

ويمكن أيضا أن يكون التأويل في ذلك أنّكم إذا خفتم الإثم والنار بأن لا تعدلوا بين اليتامى فخافوا مثل ذلك في ترك العدل بين النساء، وانكحوا ما طاب لكم من النساء، يعني به من أحلّ لكم منهنّ وهم اثنتين أو ثلاث أو رباع، ولا تنكحوا أكثر من ذلك فتتركوا العدل بينهنّ إذا كثروا فتتورّطوا لذلك في الإثم والنار، فكأنّه قال: إن خفتم النار بترك العدل بين اليتامى فخافوا ذلك في ترك العدل بين النساء وانكحوا قدر ما أحللته لكم ممّا أعلم أنّكم تستطيعون العدل بينهن، ولا تتجاوزوا ذلك، ولو قال مكان هذا فإن خفتم أن لا تعدلوا بين اليتامى فاعدلوا في الحكم وأوفوا الكيل وقوموا بالفرائض لتتبرءوا من الإثم، لكان ذلك صحيحا جائزا كما يقول القائل: إن خفت السلطان في منع الحرام فلا تقذف المحصنات، ولا تشتم الناس، يريد بذلك فإنّ الضّرر عليك في مثل هذا، ما خفت منه أو أكثر، وقد يمكن أيضا أن يكون أراد بالآية أنّكم إن خفتم إذا تزوجتم بالأيتام أو الأطفال اللاتي لا وليّ لهنّ وطالبنكم بحقوق الزوجية وإقامة العدل بينهنّ، فانكحوا البالغات البذّل اللاتي يقدرن على أخذكم بالعدل بينهن، وتكونون عند نكاحهن أبعد من الظلم لهنّ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت