فهرس الكتاب

الصفحة 205 من 438

{وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي ...(110)}

وأمّا تعلّق الملحدة والقدرية بقوله تعالى: {وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا} [العنكبوت: 17] ، {وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ} ، و {إِنْ هذا إِلَّا [[خَلْقُ] ] [[1] ] الْأَوَّلِينَ} [الشعراء: 137] ، و {فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ} [المؤمنون: 14] ، وأنّ ذلك أجمع على زعم الملحدة خاصة نقيض قوله: {هَلْ مِنْ خالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ} [فاطر: 3] ، {وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ} [النحل: 20] ، وقوله: {أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ} [الرعد: 16] ، فإنّه باطل لا تعلّق فيه لأنّ الآيات الأولة كلها وردت لنفي الخلق والإبداع وإكذاب من قال إنّه أو بعض من يعبده يخلق ويبتدع ويخترع وهو بمثابة قوله: {مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ} [القصص: 72] ، و {أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ} ونحوهما مما نفي به إله غير الله، وليس يجب إذا وصل قوله: {هَلْ مِنْ خالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ} بقوله: {يَرْزُقُكُمْ} [فاطر: 3] ، أن يكون إنّما نفى بذلك خالقا غير الله يرزق على ما تزعم القدريّة كما لا يجب إذا وصل قوله: {مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ} بقوله: {يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ} ، أن يكون إنّما نفى إلها غير الله يأتي بليل، ولم ينف إلها لا يأتي بليل، لأنّ هذا ليس بقول لمسلم أنّه امتدح بنفي إله معه كما امتدح بنفي خالق وغيره معه على كل وجه، فلذلك قال: {هذا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي ماذا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ} [لقمان: 11] ، ولو كانوا يخلقون أجناسا وأعيانا من الأعراض لقالوا هذه الأشياء كلّها من خلق الله وهذه كلّها كخلق الله ومثله، فوجب أن يكون كلّ ما قدّموه من نفي خالق غير الله على النفي والمدح على الحقيقة.

فأمّا قوله: {وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا} ، فإنّما يعني به أنّكم تختلقون كذبا، لأنّ الخلق يكون بمعنى الاختلاق الذي هو الكذب، ومنه قولهم: حديث مخلوق يعنون مختلق متكذب وقوله: {إِنْ هذا إِلَّا خَلْقُ الْأَوَّلِينَ} إنّما هو حكاية عن قول الكفار في القرآن، وإنّما عنوا به أنّه من كذب الأولين، وقوله: {فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ} إنّما يعني به - وهو أعلم - أحسن المصورين تصويرا وأحسن المقدّرين تقديرا، لأنّ الخلق يكون بمعنى التصوير والتقدير، وكذلك التأويل في قوله: {وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ} يعني تصوّر وتقدّر، والتصوير والتقدير قد يوصف به الخلق كما يوصف به الخالق، وليس التقدير والتصوير من الإبداع والإنشاء في شيء، فإنّما نفى خالقا غيره مبدعا منشئا، ولم ينف مصوّرا ومقدّرا غيره، وليس معنى المصوّر أنّه خلق الصورة والتصوير، ولا معنى المقدّر أنّه خلق الفكر والتقدير، وإنّما معناه أنّ له تقديرا وتصويرا، وهل هو خالق لما هو له من ذلك أو غير خالق له؟ معتبر بالدليل.

قال الحجاج:

إني لا أهمّ إلّا أمضيت ... ولا أخلق إلا فريت

يعني: أقدر إلا أمضيت، وهذا التقدير فكر وروية وطلب للعلم بصواب العاقبة، وهذا غير جائز على الله سبحانه.

وقال الشاعر:

ولأنت تفري ما خلقت وبعض ال ... قوم يخلق ثم لا يفري

يعني بذلك تقدّر ما تمضيه وتنفذه، ومنهم من يقدّر ويفكّر ولا يمضي لتردّده وتشكّكه أو تهيّئه ورهبته، وذلك أيضا غير جائز على الله سبحانه، وقال آخر:

ولا نيط بأيدي الخالقين ولا ... أيدي الخوالق إلا جيّد الأدم

يريد بأيدي المقرّبين والمصوّرين، وهذا التقدير الذي معناه التصوير للشيء يجوز على الخلق وعلى الخالق سبحانه، فقوله: {وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ} يعني تصوّر، وقوله: {أَحْسَنُ الْخالِقِينَ} ، يريد أحسن المصوّرين تصويرا، فصار التقدير ضربين:

أحدهما فكر وروية واستخراج صواب العاقبة وذلك ممتنع على الله سبحانه.

والآخر التصوير، وذلك جائز على الله سبحانه، وتصوير الله تعالى لما يصوّره خلق له سبحانه، وموجود بالأجسام المصوّرة وهو تأليفها وجعلها على مقدار ما، وصورة مخصوصة، وتصوير العباد إنّما هي حركات أيديهم وآلتهم وقبضها وبسطها في الجهات وفعل الاعتمادات التي يفعل الله عندها تقطيع الأجسام وتوصيلها وتألفها على وجوه مخصوصة بجري العادة وتلك الحركات والاعتمادات موجودة بأنفسهم، وفي مجال قدرهم وليس هي من تقطيع الأجسام وتوصيلها واختراع تأليفها في شيء، والعباد مكتسبون لما يوجد بهم من هذه الحركات والاعتمادات التي توصف وتسمّى تقديرا وتصويرا وغير خالقين لها ولا مبدعين لأعيانها، وقد بيّنّا هذا وفصّلناه في الكلام في المخلوق بما يغني الناظر فيه إن شاء الله.

[[1] ] قراءة متواترة لـ. اهـ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت