فأمّا قوله تعالى: {فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ} فإنّه لا مناة بينه وبين قوله: {وَلا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ} [القصص: 78] ، وقوله في المرسلين: {وَما عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ} [النور: 54] ، ونحوه من إعذار الرسل، لأنه أراد بقوله: {وَلا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ، سؤال استخبار واستفهام لإحصائها وتقدّم العلم بها والكتابة لها، وأراد بقوله: وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ} ، مسألة تقرير للحجة على الكافر ليستمعوا قول الرسل وشهادتهم عليهم بالأداء إليهم.
ويمكن أن يكون سؤال الرسل سؤال تخصيص لهم وأمر بإقامة الشهادة على الأمم، كقول القائل: هذا يقوم، وهذا يضرب زيدا أي افعل ذلك كما أمرت، وقد يكون السؤال سؤال تقريع بالعجز كقولك: هل تعلم من الغيب شيئا، وهل يستطيع أن يتكلّم، وقد يكون السؤال سؤال توبيخ وتفنيد مواقفة على ترك الواجب، كقول الشاعر:
ألم أك جاركم فتركتموني ... لكلبي في دياركم عواء
يريد التوبيخ لهم بتضييع جارهم وقلة حفاظهم.