فهرس الكتاب

الصفحة 415 من 438

{أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا(78)}

فأمّا تعلّق الملحدة بقوله: {أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ} وقوله: {وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْها} [طه: 132] ، وقوله عن أهل النار: {لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ} [المدثر: 43] ، فإنّ ذلك أجمع نقيض قوله: {فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ} [الماعون: 4] ، لأنّه أوجب بذلك الويل للمصلين وهو قد أمرهم بها ودعاهم إليها، ومدحهم عليها، فإنّه من الباطل الضعيف، لأنّه قد وصل

قوله: {فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ} بما يدل على أنّهم مذمومون بصلاة فعلوها على غير وجه ما أمروا بها، لأنّه قال بعد ذلك: {الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ (5) الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ (6) وَيَمْنَعُونَ الْماعُونَ} [الماعون: 5 - 7] .

فكأنّه ذمّهم على الصلاة المفعولة في غير وقتها، وذمّهم بالسهو عن أدائها في وقتها، إمّا بالتغافل عن ذلك أو بالاشتغال عنها بالتجارة واللهو وغير ذلك، ومؤخّر الصّلاة عن أوقاتها عاص مذموم.

وقوله: {الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ} يمكن أيضا أن يكون ذما للمصلين للرّياء والنفاق لا لله تعالى، والمصلي على هذا الوجه منافق مذموم، ويمكن أن يكون أراد بقوله: {فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ} لغير الله تعالى من الجن والنيران أو الشمس أو الملائكة أو الكواكب الذين هم عن الصلاة لله سبحانه ساهون تاركون لها، وقوله: {وَيَمْنَعُونَ الْماعُونَ} أي: يمنعون أداء الزكوات وحقوق الأموال، فأيّ تناقض في ذلك، لولا الجهل والعناد؟ وقوله: {لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ} إنّما هو إخبار من الكفار عند سؤال الخزنة لهم: {ما سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ} [المدثر: 42] ، فقالوا: {لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (43) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (44) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخائِضِينَ (45) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ} [المدثر: 43 - 46] .

فقالوا: إنّما عوقبنا على هذا أجمع، وذلك أحد الأدلة على أنّ الكفار مخاطبون بالشرائع والأحكام بشريطة تقديم فعل التوحيد والإيمان بالله ثم تعقيبه بالصلاة وما يترتب بعدها من العبادات، ولو لم يكونوا بالصلاة مأمورين لم يكونوا على تركها معاقبين، وقد تكلمنا على ذلك وعلى ما يمكن أن يتعلق به في هذا التأويل في أصول الفقه بما يقنع من تأمله إن شاء الله، فمن ظنّ أن ذلك نقيض قوله: {أَقِمِ الصَّلاةَ} وكان يأمر أهله بالصلاة، وأمر أهلك بالصلاة، فقد أبعد وضلّ ضلالا بعيدا، والناس أبدا يقولون ويل للمصلين لغير وجه الله تعالى، وللمصلي رياء ونفاقا، ولقبول الوصايا وأخذ الودائع والحيل على أموال الناس ولذلك تمثلوا:

ذيبا تراه مصلّيا فإذا بصرت به ركع ... يدعو وجلّ دعائه ما للفريسة لا تقع

وكذلك قال: {وَلا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسالى وَلا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كارِهُونَ} [التوبة: 54] ، فترى أنّه ذمّهم على الصلاة أم على فعلها بالكسل وغير نيّة ولا على وجه العبادة والقربة؟!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت