فهرس الكتاب

الصفحة 301 من 438

{فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ(94)}

فأمّا تعلّقهم بقوله: {فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ} وأنّ هذا نقيض ما وصف به سائر رسله من أنّهم أعلم الخلق به، وأعرفهم بصدقه وصفاته، وأنّهم مختارون ومصطفون على علم على العالمين، فإنّه لا تعلق لهم فيه من وجوه.

أولها: أنّ هذا القول ليس بخبر عن حصول شكّه عليه السلام فيما أنزل عليه وإنّما هو تقرير له وتنبيه أنّه منزل على غيره أيضا، وقد يقول القائل لمن يعلم أنّه لا شكّ عنده في الأمر، ولا ريب: فإن كنت في شكّ ممّا أنزله وأخبر به فسل غيري وسل الناس عنه، وسيما إذا كان يريد بذلك إظهار صدقه بحضرة من ينكر ذلك ويدفعه، وربّما قال له ذلك في الأمر الشائع الذائع ليجعل له طريقا إلى سؤال الناس وإخبارهم بما عندهم من العلم في ذلك الأمر ليزول ذلك الشكّ ويقوى سلطان الحجّة، وتبطل الشبهة.

والقوم أعني قريشا، ومن خالف الرسول كانوا يقولون له فيما نقلوه إفك افتراه، وإفك مفترى ومحدّث ومجنون، وإن هذا إلا خلق الأوّلين، وشاعر مجنون، فقال له: {فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ} ليجعل له ذريعة إلى ذلك، ومطالبة علمائهم مثل عبد الله بن سلام وغيره بما في كتابهم من ذلك تصديقا لقوله أنّنا قد أبنّا بذلك من كان قبلك، ولم يقل إنّك شاك فيما أنزل عليك.

ويوضّح هذا أيضا أنّ القائل قد يقول لمن يعلم بتيقّنه ظلم زيد وجهله وتخليطه وأنّه لا شكّ في ذلك: إن كنت في شكّ من ظلم زيد فعامله لتنظر، وإن كنت في شك من تخليط فلان وخبطه فقاوله وناظره، وإن كنت في شكّ من هول البخر فاركبه، وإن كنت في شكّ من جود فلان أو بخله فمن يعرف حاله فسله والتمس منه لتعلم ردّه أو إجابته، في أمثال هذا ممّا قد ظهر استعماله بينهم، فعلى هذا الوجه ورد قوله: {فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ} .

وقد يمكن أن يكون النبي صلّى الله عليه وسلّم ظنّ أنّ بعض ما أنزل إليه من العبادات أو بعض ما قصّ عليه قد أنزل على موسى، وأحبّ الله أن يقطع شكّه في ذلك فقال: {فإن كنت في شكّ مما أنزل إليك} في أنّه منزل على موسى ومن كان قبلك فسلهم عن ذلك ليخبروك عنه، فيزول شكّك، وقد يكون من مصالحه ومصالح أمّته أو بعضها الأمر بسؤال أهل الكتاب عمّا يشكّ عليه السلام في أنّه منزل عليهم، وربّما كان ذلك تقوية ليقين غيره إذا عرفه، فلم يرد بذلك الشكّ في أنّه من عند الله، وإنّما أراد الشكّ في أنّه منزل على غيره أم لا.

وقد يجوز أيضا أن يكون أنزل عليه جملة قصة وعبادة مجملة أخّر عنه بيانها إلى وقت الحاجة، وقد بيّن تفصيلها وشرح تلك القصة في كتاب موسى، فقال له: فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ يعني في شكّ من تفصيله، فارجع في ذلك إلى أهل الكتاب فإنّني قد أنزلت تفصيل ذلك عليهم، وليس هذا من الشكّ في أنّ ما أنزل عليه منزل من عند الله بسبيل.

وقد يجوز أن يكون أراد بقوله: {فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ} أي إن كان قومك أو بعضهم في شكّ فسل أهل الكتاب ليخبروهم بمثل ما تخبرهم به فيؤمن عند ذلك من كان إخبارهم إياه به لطفا له، فيكون ذاكرا للنبي صلّى الله عليه والمراد به غيره، وعلى نحو هذا ورد قوله: {لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ} [الزمر: 65] ، الخطاب له في الظاهر والمراد به غيره الشاكّ فزال بذلك ما قدحوا به.

وأيضًا قوله تعالى: {فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ} مع قوله: {آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ} [البقرة: 285] ، والخطاب له عند كافة أهل التأويل، والمراد به أمته، وهذا مما يسوغ ويجوز في اللغة، ومثله قوله: {لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ} [الزمر: 65] ، الخطاب له والمقصد به غيره، على أنه قد يجوز أن يقول القائل لغيره في الأمر الذي يعلم أنه يحقه ويعرفه

يقينا فإن كنت في شكّ مما قد أخبرتك به وريب مما قلته فسل فلانا، وسل غيري، وإنّما يورد ذلك على وجه التأكيد والتثبيت للعارف بما يقوله، لا على أنّه في الحقيقة شاكّ مرتاب في خبره، وكذلك قد يهدد المرء من يعلم أنه لا يخالفه ولا يعصيه ويقول له: إن عصيتني عاقبتك، إذا علم أنّ ذلك لطف له في التمسّك بطاعته والانزجار عن معصيته وإذا علم أنّ سامعي توعّده يصلحون ويرهبون سماع ذلك الوعيد، وإذا كان ذلك كذلك زال تعلّقهم بالآية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت