فهرس الكتاب

الصفحة 165 من 438

{أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا(82)}

وأما قوله تعالى: {وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا} ، فإنما أراد - وهو أعلم - أنّهم كانوا يجدون فيه تنافيا وتناقضا كثيرا لا معنى له، ولا يسوغ ويجوز استعمال مثله في اللغة العربية ولو وجد نظمه مختلفا متنافيا من ضروب من أوزان كلام العرب، لا يخرج عما يعرفونه ولوجدوا فيه الثقيل الجزل الرصين، والخفيف المستغثّ السخيف، كما يوجد ذلك أجمع في كلام جميع العرب من أهل النظم والنثر، ولم يجدوه على حد واحد ونمط غير مختلف ولا متزايد في جزالة اللفظ، وحسن النظم والفصاحة، والبراعة الخارقة للعادة.

ولم يعن بقوله: لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا اختلاف قراءته واختلافا في تأويله وأحكامه الغامضة، فكيف يريد ذلك وهو تعالى قد أنزل القرآن على سبعة أحرف كلّها شاف كاف، وقد تظاهرت الأخبار بذلك عن الرسول عليه السلام وأنّه أقرأهم قراءات مختلفة وصوّبهم، فلم يقل له قائل منهم هذا اختلاف في التنزيل.

ولو كان الأمر على ما ادّعوه لم يذهب ذلك على الصحابة، ولم يجز في مستقر العادة إضرابهم عن ذكر هذه الموافقة، وكذلك لا يجوز أن يكون على اختلافه في الأحكام والتأويل، لأنّ ذلك لا يجعل القرآن نفسه مختلفا، والله قال: {لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا} ، والاختلاف في تأويله غير الاختلاف في تنزيله ولا خلاف بين أهل اللغة أن التناقض والكذب يسمى مختلفا وخلفا من القول، ولذلك يقولون فيمن اعتقدوا فيه الكذب حديثه مختلف، وقد اختلفت روايته وقوله في هذا، وهذا خلف من الكلام، والله تعالى إنما نفى عن كلامه هذا الاختلاف لأنّ ذلك يوجب أن يكون نفس كلامه مختلفا، وليس الاختلاف في تأويل كلامه اختلافا فيه، لأنّ الله تعالى قد نصب الأدلة القاطعة على مراده بالمحتمل؛ إما ببيانه في آية أخرى أو سنة ثابتة أو إجماع من الأمة، أو دليل عقل وخبر جلّ ثناؤه فيما احتمل أمورا كثيرة من الأحكام الشرعية نحو قوله: {وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ} [البقرة: 228] ، وقوله: {أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ} [البقرة: 237] ، وقوله: {أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ} [النساء: 43] ، وأمثال ذلك.

وليس يجب إذا اختلف العلماء في ذلك وخيّروا فيه، إذا استوت عندهم التأويلات، وخيّرت العامة في استفتاء من شاءوا منهم أن يكون ذلك مصيّرا لكتابه مختلفا، كما أنّه لا يجب إذا خير العلماء والعامة في الكفارات الثلاثة أن يصير حكمه مختلفا، فإذا كان ذلك كذلك ثبت أن التأويل في نفي الاختلاف ما قلناه دون ما ظنوه.

وقد يمكن أيضا أن يكون تعالى عنى بقوله: {لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا} عاريا من دليل قائم على صحيح ما اختلف فيه من فاسده، حتى يصير لعروّه من ذلك مشكلا ملبسا لا سبيل إلى معرفة المراد بتأويله والقصد به، ولم يرد نفي الاختلاف الذي قام الدليل على صحّة صحيحه وبطلان فاسده، فإذا كان ذلك كذلك زال ما تعلقوا به.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت