وكذلك قوله: {وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ ما يَتَّقُونَ} إنّما هو متوجه إلى ضلال مخصوص، فكأنّه قال: وما كان الله ليضلّ قوما بذلك الضرب من الضلال حتى يبيّن لهم ما يتّقون ثم يعصون في البيان الأوّل، يضلّهم بالإضلال العظيم الثاني على سبيل العقوبة والانتقام، وإن كان قد قيل في تأويل الآية وجه آخر، وليس بين إخباره بأنّه لا يضلّ بضرب من الضّلال إلا قوما فسقوا وضلّوا وزاغوا عن الحق، وبين إخباره بأنّ كلّ ضلال ابتداء فهو المضلّ به تناقض ولا منافاة وإذا كان ذلك كذلك بطل ما توهّموه.
وقد فسّر الناس قوله تعالى: {وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ ما يَتَّقُونَ} على أنّه لم يكن الله ليضلّ المؤمنين بعد أن آمنوا واهتدوا، ويترك أن يبين لهم ما يجب أن يتّقونه ويحذرونه من استغفارهم للمشركين، وذلك أنّ المؤمنين كانوا يستغفرون للمشركين، وأنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أراد أن يستغفر للمشركين، لأبيه أو لبعض عمومته؛ فأنزل الله تعالى: {ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ} [التوبة: 113] ، فقال النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «إنّ إبراهيم استغفر لأبيه» ، وقال المسلمون: «إن استغفر النبيّ لأمّه أو لعمه استغفرنا لآبائنا وأمّهاتنا» ؛ فنهاهم الله عزّ وجلّ عن ذلك، ولو تركهم وذلك مع حكمه بأنّه لا يغفر ولا يحلّ الاستغفار لهم لكان ذلك ضلالا منهم وذهابا عن الحق الذي هو حكم الله ودينه، فلم يدعهم الله وذلك وأن يضلوا بفعل ما يظنونه جائزا سائغا فأنزل جل ذكره: {وَما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَها إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ} [التوبة: 114] ، إلى قوله: {وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ ما يَتَّقُونَ} ، فإنّما أراد بهذا الإضلال ترك البيان للمؤمنين ما يجب أن يبن لهم، ولم يرد خلق الضلال فيهم على وجه الابتداء والجزاء، فبان أنّه لا تعلّق لملحد ولا لقدري في ذلك.