وأمّا قوله: {إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ} وقوله: {حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ} [محمد: 31] فلا تناقض بينه وبين قوله: {عَلَّامُ الْغُيُوبِ} [التوبة: 78] ، و {بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [النساء: 176] ونحوه، لأنّه عنى وهو أعلم إلا لتعلم أنت يا محمد ويعلم الذين معك فذكر نفسه وأراد غيره، وذلك شائع في اللغة، والقائل بقول يريد أن يفعل كذى ليعلم ويحتجّ لكذا، ليعلم من المحقّ من المبطل، والقويّ من الضعيف، أي: ليعلم ذلك من شكّ فيه دون المحتجّ المتقدم العلم بصحة ما يحتجّ له.
ويحتمل أن يكون أراد بقوله إلّا ليعلم أتباع الرسول ممن يتبعه ممّن هو كائن موجود، فإنّه قد علمه قبل كونه متيقنا معروفا وهو يعلمه إذا كان، ووجد ثابتا موجودا، وكذلك قوله: {حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ} ، أي حتى تعلم أنت وهم أو حتى نعلم المجاهدين مجاهدين، ونعلم جهادهم كائنا موجودا، لأنّه يعلمه قبل وجوده معدوما ويعلمه إذا وجد كائنا موجودا، والتغيير والوقت جاري على معلومه لا على نفسه تعالى وعلمه، لأنّه لم يزل بصفات ذاته غير متغيّر ولا حائل على صفته، والعلم من صفات نفسه.
وقيل إنّ الله تعالى لما أمرهم باتّباع الرسول ونهاهم عن المفارقة والانقلاب على الأعقاب، قال: {لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ}
أي: فليتّبعوا الرسول ولا ينقلبوا على أعقابهم، فنعلمهم عند ذلك منقلبين، ومثله قول الشاعر:
لا أعرفنّك بعد الموت تندبني ... وفي حياتي ما زوّدتني زادي
أي لا تكن كذلك، ولا تفعل هذا فأعرفك به وفاعلا له على مذهب النهي والتحذير له من ذلك، ومن أن يعرف بهذه الصفة، والنهي على الحقيقة نهي عن المعروف الذي هو الفعل لا عن المعرفة التي هي فعل المعلوم أو صفته، وكذلك إذا قال القائل: لا أرينّك هاهنا ولا أسمع لك كلمة، فإنّما هي نهي عن الكون المرئي والكلام المسموع المتعلقين بقدرة المكلّف الموجود، وليسا بنهي عن رؤية الزاجر المتلوّي وسمعه، لأنّ ذلك ليس من مقدورات المخاطب الموجود، فعلى هذه التأول يسوغ حمل الآية وفي إبطال ذلك إبطال ما قدّره.