فأما تعلّقهم بقوله: {أَوَلا يَذْكُرُ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا} ، {وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا (9) }
وأنه نقيض لقوله: {سُبْحانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْواجَ كُلَّها مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لا يَعْلَمُونَ} [يس: 36]
وأنّ ذلك إخبار بأنه قد خلق الأزواج كلّها من أنفسهم ومن أشياء أخر لا يعلمون، فإنّه أيضا مما لا تعلّق لهم فيه، لأنّه لا يمكن أن يكون إنّما أراد بقوله: وَلَمْ تَكُ شَيْئًا أي: أنّه لم يكن شيئا مذكورا ومدركا وشيئا عاملا مكلفا وشيئا فطنا حاسا بل كان طينا جمادا إن كان عنى آدم عليه السلام، أو نطفة وماء مهينا إن كان أراد المخلوق من ولده، وقول المسلمين إنّه خلق الإنسان لا من شيء صحيح، وليس بنقيض لهذا الكلام، لأنّه أراد أصول الأزواج وأوّل الحيوانات وعناصر الأشياء وليس الماء والهواء والتراب والنار التي هي عند الفلاسفة أصول الأشياء التي هي قديمة لم تزل، ومنها تنمو الأشياء وتزيد، وإليها تنحلّ وتفسد، وإذا كان ذلك كذلك بطل ما قالوه، وقد يقول القائل لمن يسمع كلامه ويدركه ويشاهد فعله ويحسه: ما قلت شيئا وما صنعت شيئا، أي: ما صنعت شيئا نافعا، وما قلت شيئا مفيدا محصّلا، وليس يعني بذلك كونه ووجوده، وهذا يزيل توهّمهم ويقطع مادة أشغالهم.