فأمّا قوله تعالى: {وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ} ، وقولهم يجب أن يكون كذبا لأنّنا نرى السماوات والأرض في غير كرسيّ ولا شيء يحيط بهما، فإنّه لا تعلّق لهم فيه، وذلك أنّه أراد بهذا وهو أعلم أنّ له كرسيا قدر عظمه وسعته، قدر عظم السماوات والأرضين وسعتهما، ولم يرد أنّهما في الكرسيّ، كما يقول القائل قد وسع حلم زيد الإغضاء عن كلّ أحد وإن لم يوجد من كلّ أحد مكروه عليه حلم عنه.
وقد يمكن أن يكون أراد بالكرسيّ القدرة والسلطان، والكرسي عند العرب الأصل، فلمّا كانت الأشياء كلّها داخلة ثمّ قدرته تعالى وسلطانه،
صار سلطانه أصلا لكل قدرة وسلطان لأحد، ولكل مقدور مخترع، فقال لأجل ذلك وسع كرسيّه السماوات والأرض.
وقد يمكن أن يكون أراد بقوله: وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ علمه المحيط بجميع الأشياء وبجميع السماوات والأرض وما فيهما وبينهما، والعرب تسمّي العلم كرسيّا قال الشاعر:
ما لي بعلمك كرسيّ أكاتمه ... وهل بكرسيّ علم الغيب مخلوق
وقال آخر:
يحف بها بيض الوجوه وعصبه ... كراسيّ وبالأحداث حين تنوب
يعني بكراسي: علماء بما كان وما يحدث وينوب من الخطوب.