وأمّا قوله تعالى: {تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ} ففيه وجوه:
أحدها: أن ذلك عادة العرب في كلامها وإكمالها للعدد الذي تفصله قال الشاعر:
تجمّعن من شتى ثلاث وأربع ... وواحدة حتى كملن ثمانيا
وقال آخر:
ثلاث واثنتان فهنّ خمس ... وسادسة تميل إلى ثمان
ولم يستهجن هذا أحد في تخاطب أهل اللسان وعادتهم، وكذلك حكم قوله: {تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ} ، وقوله تعالى: {وَواعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْناها بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً} [الأعراف: 142] .
والوجه الآخر: أنه قال {تلك عشرة كاملة} ، أخرج الواو هاهنا عن أن تكون بمعنى التخيير وبمثابة قوله أو سبعة إذا رجعتم، كما قال: {مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ} [النساء: 3] يعني أو ثلاث أو رباع، فكان يجوز أن يظنّ ظانّ أو السبعة في الحضر بدل من صيام الثلاثة في السفر، وأنه للتخيير وبمعنى أو، فرفع سبحانه جواز ذلك وقطعه بقوله تلك عشرة كاملة.
ويحتمل أيضا أن يكون إنما أراد تلك عشرة كاملة، ليدلّ بذلك أنّ السبعة في الحضر هي أيام أيضا، لأنه لو قال فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم، وقال: أردت سبعة أشهر أو سبع سنين أو أسابيع لساغ ذلك، فلما قال: {تلك عشرة كاملة} دلّ بذكر العشرة والكمال على أن السبعة أيام، لا يحسن أن يقال ثلاثة أيام وسبع سنين، أو سبعة أرطال عشرة كاملة، وإنما دخل ذكر التكميل في جنس المعدود.
ويحتمل أيضا قوله كاملة أنها كاملة الأجر والثواب، وإذا كان ذلك كذلك سقط جميع ما يتعلقون به من هذا الجنس سقوطا بيّنا.