فهرس الكتاب

الصفحة 169 من 438

{وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا(83)}

وقد طعنوا أيضا في القرآن بقوله سبحانه: {وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ إِلَّا قَلِيلًا} ، قالوا: وهذا نقض ظاهر وإبطال للمعنى المقصود بالكلام، لأنّه استثنى بقوله: إِلَّا قَلِيلًا بعض من أخبر بفضله عليه وعصمته له التي لأجلها نجى من سلم من اتباع الشيطان، وإذا جعل فضله عليهم هو المانع لهم من اتباع الشيطان، فكيف يتّبعه قليل ممن تفضّل عليه ورحمه، وإن جاز أن يتّبع بعض من عليه فضله ورحمته للشيطان، فلم لا يجوز اتباع جميع من تفضّل عليه ورحمه الشيطان؟ وهذا هو الإحالة والإفساد لمعنى الكلام، والإفساد لمعنى الكلام، وإثبات التفضّل والامتنان.

فيقال: الاستثناء في هذا الموضع بقوله: {إِلَّا قَلِيلًا} لم يرجع إلى أقرب المذكور إليه في الآية، إنّما رجع إلى المذكور المتقدّم قبل الذي يليه، لأنّ الله سبحانه قال: {وَإِذا جاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ} ، ثمّ عقّبه بقوله: {وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ إِلَّا قَلِيلًا} فقوله إِلَّا قَلِيلًا إما أن يكون استثني من قوله {لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ} إلا قليلا لا يستنبطون ولا يعلمون لتركهم الاستنباط، أو لمقاربة معنى استنباطهم من إفساد له باستثقال الحقّ، أو تخليط فيه بتقديم أو تأخير وطلب الغلبة، وما جرى مجرى ذلك، فكأنّه قال: لعلمه الذين يستنبطونه منهم إلا قليل لا يستنبطون فلا يعلمون، أو إلا قليلا يستنبطون استنباطا فاسدا فلا يعلمون.

أو أن يكون استثني من قوله: {وَإِذا جاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذاعُوا بِهِ} إلا قليلا منهم إذا جاءهم ذلك لا يدفعونه، فيردّ الاستثناء فيه إلى المذكور المتقدّم، والاستثناء في الكلام ربّما رجع إلى أقرب المذكور وهو الذي يليه، وربّما رجع إلى جميع الجملة المقدّم ذكرها، وربّما رجع إلى أبعد المذكور منها إذا وسعه، وإنّما يجب إيقافه على حكم الدليل لموضع الاحتمال لردّه إلى كلّ شيء من ذلك، وقد بيّنّا ذلك وأوضحناه في كتاب «جامع الأبواب والأدلة» ، واستقصينا القول في الأصول الشرعية وفي غيره من أصول الفقه بما يغني الناظر فيه إن شاء الله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت