فأمّا قوله تعالى في قصة الملائكة والرسل: {قالُوا لا عِلْمَ لَنا} فإنّه لا تناقض بينه وبين إخباره عن كونهم كراما كاتبين وعن قوله: {فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ} [النساء: 41] ، وكيف يجيء بأنبياء وملائكة للشهادة على الأمم، وهم يقولون إنّنا لا علم لنا بما هم عليه، أو بما كانوا عليه، وذلك أنّه إنّما يقول الملائكة والرسل: إنّه لا علم لنا بسرائرهم وما في ضمائرهم من إخلاص لك ونفاق، أو لا علم لنا بما استسرّوا به من الأعمال دون أنبيائهم، ولا علم لنا بما حدث منهم بعدنا وبعد مفارقتنا لهم، فأمّا أن يقولوا لا علم لنا فيما قد علموه ورأوه وشاهدوه من أفعال الأمم الظاهرة، فذلك محال في صفتهم فبطل بهذا ما قالوه.
روي أنّ الله عز وجل يسأل الرسل عند زفرة جهنم الرابعة وغلبة الجزع والفزع على قلوبهم وزوال الذّكر عنهم وشغلهم بأنفسهم، فيقولون عند ذلك: لا علم لنا، ثم تسكن جهنم ويزول عنهم الرّوع والفزع، ويعود الذّكر والعلم فيشهدون عند السكون وزوال الرّوع على أممهم، وقد يلحق الناس ذلك عند شدّة الموج وعصوف الرياح وظهور الزلازل، والسواد والصواعق والآيات والأمور المخوّفة، فينقطعون بذلك عن التمييز فكيف بهم عند هول يوم القيامة وزفير جهنم ورؤيتها؟