فأما قوله تعالى: {وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يامُوسى} [طه: 17] ، وقوله: {أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ} ، وقوله: {ماذا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ} [القصص: 65] ، {مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ} [الأنبياء: 42] ، فإنه وارد على طريق التقرير والتقريع للقوم، والاحتجاج على من ادّعى على عيسى وأمه ما ادّعت النصارى، وربّما ورد من هذا الباب لفظ الاستفهام والمراد به التعجب نحو قوله: {عَمَّ يَتَساءَلُونَ (1) عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ} ، كأنه قال: عمّ يتساءلون يا محمد؟! قال: {عن النبأ العظيم يتساءلون} ؟! وكذلك قوله: {لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ} [المرسلات: 12] جاء على وجه التعجب، ثم قال: {لِيَوْمِ الْفَصْلِ (13) (أجلت) ، وما ورد منه على وجه التوبيخ نحو قوله تعالى: أَتَأْتُونَ الذُّكْرانَ مِنَ الْعالَمِينَ} [الشعراء: 165] .
ومذهب العرب في هذا معروف إذا قال قائلهم: تعرفني؟ أتدري من أنا؟ على مذهب التهديد، فلا تعلق لأحد منهم في هذا الباب.
وأيضًا قوله: {أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ} ، فإنّه ليس بمخبر عن إثبات قولهم لذلك حتى يكون نقيضا لإخباره عنهما بأنّهما مؤمنان، وإنّما هو قول صورته الاستفهام، وإنّما يقال لهما ذلك في القيامة على مذهب التقرير لهما، ليسمع مدّعي ذلك عليهما وأنهما قالاه إنكارا لقوله وتكذيبهما له، وليس ذلك على وجه الاستفهام لهما ولا على تحقيق الإخبار عنهما بقول ذلك ولا على التقريع لهما به، وإنّما هو على وجه ما قلناه.
وأيضًا قوله: {أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ} إنّما يريد التقرير على ذلك ليكذبهم وتقوى الحجّة عليهم، وليس يعني به السؤال والاستخبار، وكذلك قوله: {وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يامُوسى} ، إنّما هو تقوية لإظهار ما يريد فيها من الأعجوبة.
وقد قيل إنّ عيسى عليه السلام لم يعلم ما أحدثوا بعده من الكفر بعبادته، فقال له ذلك ليقول لا، فيعلمه أنّهم قد عبدوه بعده.