فهرس الكتاب

الصفحة 3 من 438

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ذي القدرة والجلال والعزّ والسّلطان والطّول والامتنان منزل الفرقان، والناسخ بما أودعه من البيان وتفصيل الحلال والحرام ما سلف من الشرائع والأحكام، والضامن للرسول عليه السلام حفظه وحراسته من الناس أهل الكفر والبهتان ومطاعن ذي الجهل والشّنآن، فقال جلّ ثناؤه: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ} [الحجر: 9] ، وقال سبحانه: {إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ} [القيامة: 17] ، وقال فيه تعالى: {لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ} [فصلت: 42] . وجعله مهيمنا على الكتب، وقال عز وجل: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الْكِتابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا} [الكهف: 1] ، وجعله بما فيه من عجيب نظمه وجزالة لفظه وبديع وصفه وخروجه عن جميع أوزان كلام العرب ونظومه، آية لرسوله ودلالة قاهرة وحجة ظاهرة لنبوته، وفطر الخلق على القصور عن مقابلته (1) ، وبالغ في تعريفهم بالعجز عن معارضة سورة من مثله، وحسم بعظيم بلاغته وأنواع فصاحته أطماع الملحدين والمنحرفين في تكلّف نظيره والتمكن من الإتيان بشبهه وعديله، وأخبر أنّه ليس من بحار كلام المخلوقين ولا شبه ما أضافوه إليه من أساطير الأولين وتلفيق المتكلمين ونمط كلام الشعراء والمترسلين، فقال عز وجل في نص التلاوة: {فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ} [هود: 13] ، ثم قال تعالى: {فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ} [البقرة: 23] ، ثم قال جل وعز: {قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا} [الإسراء: 88] ، وقال سبحانه: {وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ} [الزخرف: 44] ، يقول إنه لشرف لك ولقومك، وقال تعالى: {لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ} [النحل: 103] .

ثم نبّه تبارك وتعالى إلى أن مجيء القرآن من مثله خرق للعادة ونقض لما عليه تركيب الطبيعة مع علم القوم بنشوه وتصرفه في ظعنه ومقامه، فقال جل اسمه: {وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتابَ الْمُبْطِلُونَ} [العنكبوت: 48] ، وقال عز وجل: {وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ} [آل عمران: 44] ، وقال تعالى: {وَما كُنْتَ بِجانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنا إِلى مُوسَى الْأَمْرَ وَما كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ (44) وَلكِنَّا أَنْشَأْنا قُرُونًا فَتَطاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ وَما كُنْتَ ثاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ} [القصص: 44 - 45] ، وقال عز وجل في قصة نوح: {تِلْكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيها إِلَيْكَ ما كُنْتَ تَعْلَمُها أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هذا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ} [هود: 49] ، فنبّه ونصّ وبيّن في نفس التلاوة على أنه إنما علم ذلك وتلقاه من قبل وحيه إليه به، ثم أمر بالرجوع عند التنازع إليه، والاقتباس منه، والعمل بموجبه، والمصير إلى محكمه،

(1) قد يفهم من يقرأ هذه العبارة أن الباقلاني ممن يقولون بالصرفة، وليس كذلك، قال في «إعجاز القرآن» : (ومما يبطل ما ذكروه بالصرفة) (أنه لو كانت المعارضة ممكنة، وإنما منع منها(الصرفة) لم يكن الكلام معجزا، وإنما يكون المنع هو المعجز فلا يتضمن الكلام فضيلة على غيره في نفسه). «إعجاز القرآن» ص 30.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت