باب الكلام عليهم فيما طعنوا على القرآن ونحلوه من اللّحن
قالوا: ويدلّ أيضا على تغيير أبي بكر وعمر وعثمان للمصحف وتحريفهم له، وغلطهم فيه ولحوق الخلل والفساد به، ما نجده فيه من اللّحن الفاحش الذي لا يسوغ مثله، ولا يجوز على الله سبحانه، ولا على رسوله التكلّم به، والأمر بحفظه وتبقية رسمه ودعوى الإحكام والإعجاز فيه، نحو قوله: {إِنْ هذانِ لَساحِرانِ} ، وهو موضع نصب.
فأما قول عائشة في تلك الحروف إنّها من غلط الكاتب، فقد قلنا فيه أنّه أيضا من أخبار الآحاد التي لا حجّة فيها، وأنّه لا يسوغ لذي دين أن يقطع على أنّ عائشة لحّنت الصّحابة وخطّأت الكتبة، ومحلّهم من الفصاحة والعلم بالعربية محلّهم بمثل هذه الرّواية، على أنّ فيها ما يدلّ على بطلان الخبر عنها، لأنّها خطّأت الكاتب في جميع هذه الحروف ومنها ثلاثة جائزة سائغة عند سائر أهل العربية وواحد ليس هو من لغة قريش، وهو قوله: «إنّ هذان لساحران» ، يذكر أنّه لغة بالحارث بن كعب، فلو كانت خطأت الكاتب في هذا الحرف فقط لخروجه عن لغة قريش، لكان الأمر أقرب، فأمّا أن تخطّئه فيما لا خلاف في جوازه في كلّ لغة، وإن كان غير ذلك الوجه أشهر وأظهر فإنّها بعيدة فيه لبراعتها وفصاحتها وكونها من العلماء باللّسان ووجوه الخطاب والإعراب.
والأشبه فيما يروى عنها وعن غيرها من الصّحابة في هذا الباب إن صحّ وسلم مسنده وطريقه، أن يكونوا قالوا: إنّ الوجه الأشهر الظاهر المعروف المألوف في هذه الحروف غير ما جاء به المصحف وورد به التنزيل، وإنّ استعماله على ذلك الوجه غامض قليل، أو غلط عند كثير من النّاس، ولحن عند من لا يعرف الوجه فيه ونحو هذا الكلام فلم يضبط ذلك الرّواة عنهم، ولم يسمعوا علّته ولم يوردوه على وجهه، إمّا لسهو لحقهم أو لذهابهم عن سماع تمام الكلام، أو لاقتصارهم على شاهد الحال وإذكارهم بذلك من كان سمع هذا الكلام من عائشة وعثمان، فأمّا أن يقطع عثمان وعائشة على أنّ في القرآن لحنا وغلطا وقع من الكتبة فذلك باطل لما بيّناه سالفا.
فأمّا قوله تعالى: {إِنْ هذانِ لَساحِرانِ} فإنّه يجوز قراءته على موافقة خطّ المصحف الذي نقلته الجماعة وقامت به الحجّة، ويجوز أيضا قراءته بمخالفة خطّ المصحف وأن يتلى: «إنّ هذين لساحران» .
فأمّا ما يدلّ على صحة قراءته على موافقة خطّ المصحف فنقل جماعة الأمّة الّذين ببعضهم تقوم الحجّة على أنّ القرآن منزّل على وجه موافقة المصحف، وأنّه يجوز أن يقرأ: «إنّ هذان لساحران» ، وأنّ ما تضمّنه المصحف من هذا الحرف وغيره صحيح سليم من الخطأ، فلا وجه لإنكار ذلك وتخطئة القارئ به مع النّقل والإجماع الذي وصفناه.