فأمّا قوله تعالى: {وَكانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا} ، {ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ} [هود: 20] ، وقوله: {انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا} [الفرقان: 9] ؛ فلا منافاة أيضا بينه وبين قوله: {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَها} [البقرة: 286] ، و {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا ما آتاها} [الطلاق: 7] ؛ لأن قوله: «لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَها» أراد به بعض الأنفس دون بعض، وكذلك قوله: {إِلَّا ما آتاها} ، وقوله: {لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا} ، خبّر عن بعض المكلفين دون بعض فزال ما توهموه.
ويحتمل أن يكون أراد بالوسع وما آتاها أنّه لا يكلف الإنفاق ولا الزكاة مع عدم المال، وما كلّف ذلك تعالى، لأنّه مما لا يستطاع فعله، ولا تركه وليس كذلك حال عدم الاستطاعة على الإيمان والقبول، لأنّه قد يستطاع تركه والدخول في ضدّه، فليس كتكليف الزكاة والنفقة مع عدم الطول والمال.
ويحتمل أيضا أن يكون أراد بقوله: {وَكانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا} ، أنّهم كانوا لا يستطيعون ذلك لتركه وإيثار ضدّه لا للعجز عنه، وأن يكون أراد بقوله: {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَها} ، أي ما لا تعجز عنه من تكليف الطيران وتنقيط المصاحف مع العمى، والإخبار عن الغيوب، ونحو ذلك وهذا ما لا تنافي فيه ولا تناقض، فبطل ما توهموه.
وقد قال كثير من الناس إنّ معنى قوله: {لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا} ، أي أنّ ذلك يثقل عليهم ويأبونه، ويكرهونه كما يقول القائل: أنا أكلّم زيدا وما أستطيع كلامه والنظر إليه، أي: إنّ ذلك يثقل علي، لا يعني به نفي قدرته على خطابه، وكيف ينفيها وهو قد خاطبه، ويحتمل أيضا أنهم كانوا يمنعون من سماع بعض ما يضرّون به النبي صلّى الله عليه وسلّم من أخباره وأحواله وعن أمته، ويمنعون من ذلك ويحال بينهم وبينه مع حرصهم عليه وطلبهم له، وليس ذلك من باب تكاليفهم في شيء.