فأما قوله تعالى: {وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ} ، فقد ذكر فيه وجوه، فقال قوم: أراد به يؤمنون بما أنزل إليك وإلى المقيمين الصّلاة، وقال آخرون: أراد يؤمنون بما أنزل إليك ويؤمنون بالمقيمين الصّلاة، واعتبروه بقوله في موضع آخر: {وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ} [التوبة: 61] .
وقال خلق من أهل العربية هو نصب على المدح، لأنّ العرب تنصب على المدح، وتفرد الممدوح وتعطف عن ردّه إلى ما قبله، وقال أبو عبيدة وجلّة من أهل العلم بالعربية: هو نصب على تطاول الكلام بالسّبق وهم يستعملون ذلك في الكلام إذا طال أو تكرّر الوصف الذي يمدحون به أو يذمون، يتحرّجون من الرّفع إلى النّصب، ومن النّصب إلى الرّفع، وربّما فعلوا ذلك وإن لم يتطاول الكلام أيضا ولم ينكروا الوصف والذّم والمدح، ويعملون في ذلك على القصد والنيّة في اتباع الكلام بعضه بعضا، وربّما أضمروا شيئا ينصبون به أو يرفعون، نحو ما قدّمنا عنهم من أنّه أراد يؤمنون بما أنزل إليك، وإلى المقيمين الصّلاة، أو أنّه أراد يؤمنون بما أنزل من قبلك ومن قبل المقيمين الصّلاة ونحو ذلك، وأنشدوا في جواز رفع ذلك ونصبه على تطاول الكلام وتكرر الوصف والمدح قول الشّاعر:
لا يبعدنّ قومي الذين هم سمّ العداة وآفة الجزر النّازلين بكل معترك والطيّبون معاقد الأزر
وأنشد في ذلك أيضا:
وكلّ قوم أطاعوا أمر سيّدهم ... إلّا نميرا أطاعت أمر غاويها
الطاعنين ولمّا يطعنوا أحدا ... والقائلون لمن دار تخيلها
وقد اتفقوا على جواز إسناد ذلك على الوجهين جميعا:
أحدها: أن يقولوا النّازلين والطّاعنين منصوب، ثمّ يقولوا والطيّبون والقائلون فيرفعون، أو أن يقولوا النّازلون والطاعنون فيرفعون، ثمّ يقولوا والطّيبين أو القائلين فينصبون، ويعملون الكلام في الإعراب على النيّة وإتباع الكلام بعضه بعضا، وقد قالوا: إنّ رفع مثل هذا ونصبه عند تطاول الكلام شائع جائز، وإذا كان ذلك كذلك وجب القول بصحّة هذه القراءة وصوابها ولط من زعم أنّها ملحونة.