فهرس الكتاب

الصفحة 52 من 438

{وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ(205)}

فأمّا تعلّق الملحدة والقدريّة بقوله تعالى: {وَلا يَرْضى لِعِبادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ} [الزمر: 7] ، وقوله: {وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسادَ} ، وقوله: {إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا} [النور: 19] الآية، فإنّه لا تعلّق لهم أيضا فيه، لأنّه أراد بالآيتين المتقدمتين أنّه لا يحبّ الفساد لأهل الصّلاح ولا يرضى لعباده المؤمنين الكفر، ولم يرد أنّه لا يرضاه لأحد من خلقه ولا يحبّه من أحد منهم، وكيف يكون ذلك كذلك وهو يقول: {وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ ما فَعَلُوهُ} [الأنعام: 112] ، ويقول: {وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا} [الأنعام: 125] ، ويقول: {وَلَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكُوا} [الأنعام: 107] ، فدلت هذه الأخبار على أنّه لم يرض لعباده المؤمنين الكفر، ولا يحبّ منهم الفساد، وإن كان قد أحبّ ذلك ورضيه لأهل الكفر والفساد، ومن نحو هذا قوله: {عَيْنًا يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ} [الإنسان: 6] ، وقوله: {يا عِبادِ فَاتَّقُونِ} [الزمر: 16] ، وقوله: {الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ} [آل عمران: 173] ، وكل هذا على الخصوص دون العموم، وكذلك حكم الآيتين.

ويمكن أيضا أن يكون إنّما أراد والله لا يحب الفساد أن يكون صلاحا ودينا مشروعا، ولا يرضى لعباده الكفر أن يكون دينا لهم وشرعا مأذونا فيه، وأنّه رضي أن يكون قبيحا مذموما فسقط بذلك ما قالوه.

ويحتمل أيضا أن يكون أراد بالرضا والمحبّة الاجتباء والتفضيل والاصطفاء، فقال: {لا يحبّ الفساد} ، ولا يرضى لعباده الكفر أي لا يصطفيهما ويفضلهما، لأنّ المحبّة والرضى عند كثير من الناس اصطفاء وتفضيل، وذلك منفي عن الكفر والفساد ولأنّ الله سبحانه قد حقّرهما وذمّهما، وقال أصحاب هذا الجواب: وإطلاق المحبّة والرضى يوهم الأمر بهما ويدين العباد بفعلهما، وذلك باطل.

فأمّا قوله: {إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا} فإنّما ذمّهم بمحبّتهم أن يكون ما قيل في أمّ المؤمنين حقّا وصدقا، فالله سبحانه لم يحبّ أن يكون ما أشيع من الفاحشة حقّا وصدقا على ما أشيع، وأن يكون إنّما ذمّهم على هذه الإرادة لكونها قبيحة منهيا عنها، لأنّهم قد نهوا عن إشاعة الفاحشة في المؤمنين والتخرّص عليهم والأراجيف بهم، ونهوا عن محبّة إشاعة الفاحشة في المؤمنين، فنفس الإشاعة ونفس الإرادة لذلك معصيتان قبيحتان، وإرادة الله لذلك ليست بقبيحة ولا معصية، فلم يجب أن يكون مذموما بإرادته المعصية أن تكون قبيحة فاسدة ممن علم وقوعها منه، إذا لم يكن منهيا عن إرادته لذلك كما يجب أن يكون مطيعا لإرادته للطاعة من العباد إذا لم يكن مأمورا بإرادته للطاعة، وإن كانت إرادتنا نحن للطاعة طاعة من حيث أمرنا بها، وإذا كان ذلك كذلك بطل ما توهّمه القدرية والملحدة من حصول طائل ونفع لهم في التعلّق بهذه الآيات.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت