فهرس الكتاب

الصفحة 295 من 438

{هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ ...(22)}

قالوا: ومما يدلّ أيضا على تغيير القرآن وتلاوة القوم له ورسمه على خلاف ما أنزل الله تعالى، وجودنا فيه خطابا للحاضر بما هو مبين للغائب، وليس يحسن أن يقول القائل اختبرتك فوجدته ثقة مناصحا، ورأيتك أمس صحيحا مناظرا فاستعقلته واسترجحته، لأنّ ذلك أجمع خطاب للحاضر بما هو موضوع للغائب، وقد وجدنا مثل هذا في مصحف عثمان فمن ذلك قوله: {حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ} فبدأ بخطاب الحاضر فيه بقوله: «كنتم» ثم جاء بخطاب الغائب بقوله: «وجرين بهم» ، ومنه أيضا قوله: {وَلكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيانَ} [الحجرات: 7] وذلك خطاب الحاضر، ثم قال: {أُولئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ} وهو خطاب للغائب، ومنه أيضا قوله تعالى: {وَما آتَيْتُمْ مِنْ زَكاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ} [الروم: 39] ، وهم للغائب وقوله: {آتيتم} وتريدون للحاضر، وهذا تخليط لا يجوز وروده من عند الحكيم العليم.

فيقال لهم: هذا توهم منكم، لأنّ أهل اللغة قد أطبقوا على أنّه قد يحسن أن يصل الخطاب الحاضر ما يصلح للغائب في مواضع قد عرفت وجرت بها عادتهم، ولذلك قد يرد خطاب الغائب أيضا على وجه ما يستعمل خطاب الحاضر، ويجب أن يسوغ ذلك ويستحسنه حيث استحسنوه.

قال الشاعر:

يا دار ميّة بالعلياء فالسند ... أقوت ومرّ عليها سالف الأبد

يريد: قويت يا دار، ومرّ عليك سالف الأبد.

وقال آخر:

يا ويح نفسي كان جلدة خلة ... وبياض وجهك للتراب الأعفر

فبدأ بخطاب الغائب ثم وصله بما يصلح للحاضر، وإن لم يجب أن يقاس على ذلك سائر ما ذكروه، وكذلك يحسن من الله تعالى استعمال مثل هذا، وإن لم يستحسن ذلك في كل موضع، وإذا كان ذلك كذلك بطل ما تعلقوا به.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت