فهرس الكتاب

الصفحة 2 من 438

يكاد يكون إجماعا بين المؤرخين أن الباقلاني رحمه الله كان المجدد للدين على رأس المائة الرابعة، لما قدّم من جهود، وما بذل في خدمة مذهب أهل السنة والجماعة وما دافع من خلاله عن دين الله عز وجل، يقول ابن عساكر رحمه الله: «إن قول من قال: إن القاضي أبا بكر محمد بن الطيب

الباقلاني هو الذي كان على رأس الأربعمائة، أولى من قولهم: إن أبا الطيب سهل بن محمد بن سليمان النيسابوري هو الذي كان على رأس الأربعمائة لأنه أشهر من أبي الطيب النيسابوري مكانا وأعلى رتب القوم شأنا، وذكره أكبر من أن ينكر، وقدره أظهر من أن يستر، وتصانيفه أشهر من أن تشهر، وتواليفه أكثر من أن تذكر، فأما أبو الطيب - النيسابوري - فإنما اشتهر ذكره ببلده».

وعن القاضي أبي بكر رحمه الله يقول اليافعي رحمه الله في كتابه «مرآة الجنان» وهو من أعيان المائة الثامنة:

«هو سيف السنة، وناصر الملة، الإمام الكبير، الحبر الشهير، لسان المتكلمين، وموضح البراهين، وقامع المبتدعين، وقاطع المبطلين، الأصولي المتكلّم، الأشعري المالكي، المجدد على رأس المائة الرابعة، وكان كلّ ليلة إذا قضى ورده كتب خمسا وثلاثين ورقة، تصنيفا من حفظه، وكان فريد عصره في فنه، وله التصانيف الكبيرة المسندة الشهيرة، وإليه انتهت الرئاسة في هذا العلم، وكان ذا باع طويلة في بسط العبارة، مشهورا بذلك» .

ومع ما كان عليه إمامنا الباقلّاني من الضلوع في علم الكلام والمناظرات والفلسفة، التي هي مظنة الخواء الروحي، إلا أنه رحمه الله كان مع كل ذلك يمتاز بقمة الورع والتقوى والمراقبة لله تعالى، يقول عن ذلك الإمام أبو حاتم القزويني:

«إن ما كان يضمره القاضي أبو بكر الأشعري رضي الله عنه من الورع والديانة والزهد والصيانة أضعاف ما كان يظهره، فقيل له في ذلك، فقال: إنما أظهر ما أظهره غيظا لليهود والنصارى والمعتزلة والرافضة والمخالفين، لئلا يستحقروا علماء الحق والدين» .

وعن ذلك يقول الصيرفي رحمه الله: «كان صلاح القاضي أكثر من علمه، وما نفع الله هذه الأمة بكتبه وبثها فيهم إلا بحسن نيته واحتسابه بذلك» .

وأما عن علمه وسعة اطلاعه فهو بالمكانة العالية، فلقد كان العالم الذي يحدّث ويكتب من علمه وحفظه دون أن يحتاج إلى الرجوع لكتب الآخرين، يقول في ذلك علي بن محمد بن الحربي المالكي:

«كان القاضي أبو بكر يهمّ بأن يختصر ما يصنفه، فلا يقدر على ذلك لسعة علمه وكثرة حفظه، وما صنف أحد خلافا إلا احتاج أن يطالع كتب المخالفين، غير القاضي أبي بكر، فإن جميع ما كان يذكر خلاف الناس فيه صنّفه من حفظه» .

وعن سعة علمه وفصاحة لسانه يقول أبو القاسم النحوي (ت 456) :

«من سمع مناظرة أبي بكر لم يستلذّ بعدها بسماع كلام أحد من المتكلمين والفقهاء والخطباء والمترسلين، ولا الأغاني أيضا لطيب كلامه وفصاحته، وحسن نظامه وإشارته» .

ويقول أبو محمد الشافعي (ت 398) : «لو أوصى رجل بثلث ماله أن يدفع إلى أفصح الناس لوجب أن يدفع لأبي بكر الأشعري» .

قال ابن العماد الحنبلي: «كان ابن الباقلاني ورعا لم تحفظ عنه زلة ولا نقيصة، وكان باطنه معمورا بالعبادة والديانة والصيانة، قال الطائي: رأيته في النوم بعد موته و

عليه ثياب حسنة، في رياض خضرة نضرة، وسمعته يقرأ:

فَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ (21) فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ [الحاقة: 21 - 22] ، ورأيت قبل ذلك قوما حسنا حالهم، فقلت: من أين جئتم؟ فقالوا: من الجنة من زيارة القاضي أبي بكر».

ولو أردنا استيفاء كلّ ما قيل عن هذا العالم لاتّسع بنا الأمر ولخرجنا عن المقصود، وأختم ذلك بما قاله عنه الصاحب ابن عبّاد - رحمه الله - وعن ابن فورك والأسفراييني: «ابن الباقلاني بحر مغرق، وابن فورك صلّ مطرق، والأسفراييني نار تحرق» .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت