فأمّا طعنهم في القرآن بقوله: {الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ راجِعُونَ} وإنّ في هذا مدحا لهم على الظنّ للقاء ربّهم، والظنّ - زعموا - شكّ وضدّ اليقين، وهم بذمّهم لأجل ظنّهم لذلك وشكّهم فيه وترك العلم به أولى بالمدح.
والجواب عنه: أنّه أراد تعالى بذكر الظنّ هاهنا اليقين؛ لأنّ الظنّ يكون بمعنى اليقين، ومنه قوله تعالى: {وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُواقِعُوها} [الكهف: 53] يريد تيقّنوا ذلك وتحقّقوه، ومنه أيضا قوله: {وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ باسِرَةٌ (24) تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِها فاقِرَةٌ} [القيامة: 24 - 25] .
يريد تتيقّن المفاقرة، وترى وتشاهد العذاب غير أنّه لما ذكر رؤية المؤمنين لربّهم باسم النظر ثم ذكر رؤية الكافرين للعذاب وما يقع به النّكال عبّر عن رؤيتهم بذلك بغير اسم النظر فقال: {تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِها فاقِرَةٌ} أي: ترى العذاب وما يقع به وتتيقنه، وقول من قال: إنّ الظنّ لا يكون بالوجه باطل، لأنّه إذا كان بمعنى اليقين ورؤية البصر كان واقعا بالعين التي في الوجه. قال الشاعر:
فقلت لهم ظنّوا بألفي مدجّج ... سراتهم في الفارسيّ المسرّد
أراد أن أيقنوا بذلك واعلموه.