فهرس الكتاب

الصفحة 24 من 438

{فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ(79)}

قوله: {يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ} [آل عمران: 167] ، والقول لا يكون إلا بالفم، وقوله: {فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتابَ بِأَيْدِيهِمْ} ، والكتابة لا تكون إلا باليد، وقوله: {وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ} [الأنعام: 38] ، والطائر لا يطير إلا بجناحيه، وقوله: {فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ} [الحج: 46] ، وقوله: {فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ} [النحل: 26] والسقف لا يخرّ إلا من فوقهم، وقوله: {فَراغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ} [الصافات: 93] ولا معنى لذكر اليمين دون الشمال، وقوله: {فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ} [البقرة: 196] ، وأغبى الناس وأقلهم ذهنا وبصيرة يعلم أن ثلاثة وسبعة عشرة، فلا معنى لهذا الكلام.

فيقال لهم: لا تعلّق لكم في شيء مما ذكرتم لأمرين:

أحدهما: أنّ العرب قد تكرر وتريد اللفظة التي معناها معنى ما قبلها للتوكيد، وتستجيز ذلك وتستحسنه في عادتها وصرف خطابها، ولذلك يقول القائل منهم: رأي عينيّ وسمع أذني، وكلمته من فمي، وسمعته من فيه، على وجه التأكيد للخبر، وكذلك قولهم: عجّل عجّل، وقم قم، فإذا ساغ ذلك وجاز تكرار الكلمة لتوكيد، كان تكراره بلفظين مختلفين أحسن وأولى، والله سبحانه إنما خاطب العرب على عادتها، والمألوف من خطابها، فسقط بذلك ما قلتم.

والوجه الآخر: أنّ لكلّ شيء مما أوردتموه معنى زائدا صحيحا.

فأمّا قوله تعالى: {يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ} فإنّما المراد به أنّهم قالوا ذلك بأنفسهم وأفواههم بغير إشارة ولا كتاب ولا مراسلة لأنّ القائل قد يقول:

قلت لزيد كذا وهو يعني أمرت من يقول له، وراسلته به، وكتبت بذلك إليه، وأشرت إشارة ورمزت رمزا، قال الله تعالى: {آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ «ثَلاثَةَ أَيَّامٍ» إِلَّا رَمْزًا} [آل عمران: 41] ، وقال الشاعر:

وقالت له العينان سمعا وطاعة ... وحدرتا كالدّر لما ينظم

وقال آخر:

وتخبرني العينان ما القلب كاتم ... فإذا قال له قلت له بفمي ولساني

زالت التأويلات.

وكذلك الجواب في قوله: {يَكْتُبُونَ الْكِتابَ بِأَيْدِيهِمْ} لأنّه أراد أنّهم تولّوا خطّه بأيديهم لا بواسطة وأمر منهم، وعلى وجه ما يقول القائل: كتب رسول الله إلى النجاشيّ، وكتب الخليفة إلى فلان، أي أمر بالكتاب إليه.

فأمّا قوله تعالى: {وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ} ، فإنّه أراد جنس الطيران دون السرعة في الأمر والقصد لأنّ القائل من العرب قد يقول لمن يأمره طر وأسرع في هذا الأمر، أي بادر، ويقول: طرت إلى فلان، أي أسرعت، فإذا قيل طار الشيء بجناحيه انصرف إلى جنس الطيران بالجناح الذي هو الأصل الذي يشبّه به السرعة في القصد والأمر.

فأمّا قوله: وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ فإنما أورده تعالى على مذهبهم في قولهم نفسي التي بين جنبيّ، ونفسه لا تكون إلا بين جنبيه.

فأمّا قوله تعالى: {فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ} ، فهو لأنّ السقف قد يخرّ عليهم من تحتهم إذا كانوا في الغرف، وقد يقول القائل: خرّ عليّ في

بيتي سقف، وإن كان تحته، وقد يخرّ عليهم السقف أيضا وإن لم يكونوا تحته ولا فوقه، كما يقول القائل: خرّ علينا في الدار سقف، وإن لم يكونوا تحته ولا فوقه، وإنما يقصد الإخبار عن سقوط السقف فقط في ملكه وداره، أو قربه وجواره، فإذا قال: من فوقي أفاد أنّه كان تحته.

وأمّا قوله تعالى: {فَراغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ} ، فإنّما ذكر اليمين لأنّه بها وقع دون الشمال، وقد يقع الضرب بالشمال كما يقع باليمين ولأنّ اليمين أكثر قوة وأشدّ تمكّنا وبطشا من الشمال.

قال الشماخ:

إذا ما راية رفعت ... لمجد تلقاها عرابة باليمين

أي أخذها بقوة وبطش وتبسط في الكرم.

وأمّا قوله تعالى: {تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ} [البقرة: 196] ففيه وجوه:

أحدها: أن ذلك عادة العرب في كلامها وإكمالها للعدد الذي تفصله قال الشاعر:

تجمّعن من شتى ثلاث وأربع ... وواحدة حتى كملن ثمانيا

وقال آخر:

ثلاث واثنتان فهنّ خمس ... وسادسة تميل إلى ثمان

ولم يستهجن هذا أحد في تخاطب أهل اللسان وعادتهم، وكذلك حكم قوله: {تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ} ، وقوله تعالى: {وَواعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْناها بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً} [الأعراف: 142] .

والوجه الآخر: أنه قال {تلك عشرة كاملة} ، أخرج الواو هاهنا عن أن تكون بمعنى التخيير وبمثابة قوله أو سبعة إذا رجعتم، كما قال: {مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ} [النساء: 3] يعني أو ثلاث أو رباع، فكان يجوز أن يظنّ ظانّ أو السبعة في الحضر بدل من صيام الثلاثة في السفر، وأنه للتخيير وبمعنى أو، فرفع سبحانه جواز ذلك وقطعه بقوله تلك عشرة كاملة.

ويحتمل أيضا أن يكون إنما أراد تلك عشرة كاملة، ليدلّ بذلك أنّ السبعة في الحضر هي أيام أيضا، لأنه لو قال فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم، وقال: أردت سبعة أشهر أو سبع سنين أو أسابيع لساغ ذلك، فلما قال: {تلك عشرة كاملة} دلّ بذكر العشرة والكمال على أن السبعة أيام، لا يحسن أن يقال ثلاثة أيام وسبع سنين، أو سبعة أرطال عشرة كاملة، وإنما دخل ذكر التكميل في جنس المعدود.

ويحتمل أيضا قوله كاملة أنها كاملة الأجر والثواب، وإذا كان ذلك كذلك سقط جميع ما يتعلقون به من هذا الجنس سقوطا بيّنا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت