فهرس الكتاب

الصفحة 251 من 438

{قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ(188)}

قالوا: فكيف أمره بأن يقول: {قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرّا إلا ما شاء الله} ، وهو يملك تصرّفه وجميع أفعاله، ويتصرّف فيها بإرادته وما معنى قوله: {وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ} ، وقد استكثر من الخير من لا يعلم الغيب.

يقال لهم: ليس الأمر على ما توهّمتم لأنّ النبيّ عليه السلام وغيره لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرّا، وإنّما مالك نفعه وضرّه الله عزّ وجلّ الخالق لعين النفع والضرّ القادر على إيجادهما، والخلق لا يقدرون على ذلك ولا يتصرّفون فيما يريدون أو يكرهون إلا بأن يشاء الله تصرّفهم.

وفي هذه الآية دلالة بيّنة واضحة على أنّ الله خالق أفعال عباده وما يضرّهم منها وما ينفعهم، فإنّه مالك لها وقادر عليها وموجد لها إذا وجدت، وهي مقدورة له، لأنّ مالك الشيء والقادر عليه فاعل له إذا وجد مقدوره ومملوكه، وليس يكون فاعلا لمقدوره إلا لوجوده فقط.

وأمّا التعلّق بقوله: {وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَما مَسَّنِيَ السُّوءُ} فمعناه - والله أعلم - أنّني لو كنت أعلم الغيب لكنت إلها قديما، والقديم لا يناله السوء ولا يلحقه نقص ولا تغيير. ويمكن أن يكون أراد أنّني لو كنت أعلم الغيب لنجوت من الحوادث والنّوازل أو اعتددت لكلّ أمر عتاده وما يدفعه ويزيله.

ويحتمل أيضا أن يكون أراد أنّني لو كنت أعلم أجلي ووقت موتي وقربه لأكثرت الطاعة لله والجهاد في سبيله، وإنّما أؤخّر بعض ذلك لإخفاء وقت أجلي، وليس يمتنع أن يستكثر من الخير من لا يعلم الغيب على غلبة ظنّه وقوّة حدسه أو الاحتياط والتحرّر، وإن صحّ أن يستكثر من الخير من قد علم حاله واطّلع على ما يكون منه فلا تناقض في هذا.

وقد قيل إنّ السوء المذكور هاهنا هو الخبال والجنون، ومنه قوله تعالى: {إِلَّا اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ} [هود: 54] قيل: بخبال وجنون نسبوه إليه فكأنّه قال: لو كنت أعلم الغيب ما مسّني من المرض والنوم والآفات المستغرقة القاطعة عن التمييز وما يجري مجرى السوء الذي هو الخبال.

(فائدة)

قوله تعالى في قصة النبيّ صلّى الله عليه وأمره له بأن يقول: {وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ} غير مناقض لإخباره عنه بأنّه يتلقى وخبّر عمّا كان ويكون وعن أمور السماوات، لأن ذلك إنّما يعلمه ويدركه بتوقيف جبريل له، وليس ذلك من الغيب في شيء، وإنّما العالم بالغيب من علمه بغير خبر وتوقيف، وحجة ودليل وضرورة وطباع، وهو الله تعالى.

ويحتمل أيضا أن يكون تأويل ذلك أنّني لا أعلم وقت موتي فأستكثر من فعل الطاعات والبر، وهو وإن علم بعض الغيوب بالوحي إليه فغير عالم بجميعها، ويجوز أيضا أن يكون معنى الآية إنّ أهل مكة لما قالوا للرسول ألا يخبرك ربّك بالبيع الرخيص فتشتريه فتربح فيه، ويخبرك بالأرض التي تريد أن تجدب فترحل عنها إلى الخصبة، فأنزل الله قل: {وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ} أي: لا أعلم هذا ولا يجب أن أعلمه، ولا يجب على الله إعلامي إياه، لأنّ له امتحان قلبي ونفسي بما شاء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت