فهرس الكتاب

الصفحة 228 من 438

{سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا ...(148)}

وأمّا تعلق الملحد والقدريّ بقوله تعالى: {سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكْنا وَلا آباؤُنا وَلا حَرَّمْنا مِنْ شَيْءٍ كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ} ، وقوله: {وَقالُوا لَوْ شاءَ الرَّحْمنُ ما عَبَدْناهُمْ ما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ} [الزخرف: 20] ، وقوله: {وَقالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما عَبَدْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلا آباؤُنا} [النحل: 35]

فالجواب عنه أنّ القوم إنّما قالوا ذلك على وجه النفاق واعتقاد خلاف ما يظهرون من هذا القول، وعلى وجه الهزل بالرسول والإنكار لقوله: {وَلَوْ شاءَ اللَّهُ ما فَعَلُوهُ} [الأنعام: 137] ، {وَلَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكُوا} [الأنعام: 107] ، {وَلَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها} [السجدة: 13] ، ونحو هذا القول، فقالوا هذا القول على وجه الردّ والإنكار، كما قال سبحانه في ذمّهم بقولهم: {أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ} [يس: 47] ، وهذا القول حق لمن قالوه معتقدين لصحّته ولكنّهم قالوا ذلك على سبيل التكذيب للرسول، وكما ذمّ المنافقين بقوله تعالى: {إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ قالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ} ، فأكذبهم في قولهم، لأنّهم قالوه نفاقا على غير وجه الاعتقاد لصحّته، ويدلّ على ذلك أنّ القوم كانوا يجحدون الرحمن وينكرونه ولا يعرفون الله سبحانه فيكف يصدّقون بأنّه لو شاء الرحمن ما عبدوهم.

قال الله تعالى: {وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمنِ قالُوا وَمَا الرَّحْمنُ أَنَسْجُدُ لِما تَأْمُرُنا وَزادَهُمْ نُفُورًا} [الفرقان: 60] ، وقال تعالى: {وَلَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكُوا وَما جَعَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا} [الأنعام: 107] ، فقالوا هم لما سمعوا ذلك لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرّمنا من شيء قال الله سبحانه: {كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذاقُوا بَأْسَنا} [الأنعام: 148] ، فأخبر أنّهم قالوا هذا القول على وجه التكذيب، وكل هذا ردّ على الملحدة والقدرية، وكيف يجوز أن يعرف الله سبحانه ويعرف أنّه لو يشاء أن يؤمن لآمن من هو كافر ومن هو غير عارف به، هذا جهل ممّن ظنّه وتوهّمه لأنّهم لو عرفوا الله وعرفوا أنّه قادر على أن يلطف بهم ويجعلهم مؤمنين لكانوا مصدقين أبرارا، ولم يكونوا كافرين مكذبين ولم يقل الله: {كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ} ، وَ {إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ} أي: تكذّبون فكيف يردّ هذا القول على المشركين لو قالوه على وجه الإقرار والتصديق وهو سبحانه يخبر بصحّة ذلك ويدعوا إليه، ويقول: {وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ ما فَعَلُوهُ} [الأنعام: 112] ، ويقول: {اتَّبِعْ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (106) وَلَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكُوا وَما جَعَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ} [الأنعام: 106 - 107] .

ويقول: {وَكَذلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ ما فَعَلُوهُ} [الأنعام: 137] ، في أمثال لهذه الآيات يخبر فيها أنّه لم يكن ما كان من الكفّار إلا بمشيئته، وأنّه لو شاء أن لا يكون لما كان، فكيف يكذّب قوما قالوا هذا القول واعتقدوا صحتّه، لولا جهل من يتعلّق بهذا ووغادته من القدريّة والملحدة.

وممّا يدلّ أيضا على أنّ التأويل في ذلك على ما قلناه وإن كان ظاهرا لا يحتاج إلى تأويل عند من تأمّل صدور الكلام والقصص، وإعجازها، ومخارج الكلام وأسبابه، أنّ الله تعالى قال: {سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكْنا وَلا آباؤُنا وَلا حَرَّمْنا مِنْ شَيْءٍ كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ} بالتشديد كما كذّب قومك يا محمد ولو أراد الإخبار عن أنّ هذا القول كذب منهم لقال كذلك كذّب الذين من قبلهم مخففا من الكذب ولم يقل كذّب مشدّد من التكذيب، فهذا أيضا دليل واضح من نفس التلاوة على أنّ القوم قالوا ذلك على وجه التكذيب للرسل، ولمّا ورد من إخبار الله تعالى بما قدّمنا ذكره ولم يقولوه على وجه الاعتقاد والتصديق.

فإن قالوا: قد قال الله تعالى عقيب قوله: {كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذاقُوا بَأْسَنا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ} أي: تكذّبون في قولكم لو شاء الله ما أشركنا فقد أكذبهم في هذا القول.

قيل لهم: معاذ الله أن يكون أكذبهم في هذا القول مع اعتقاد صحّته والإيمان به، وكيف يكذّبهم فيه وهو قد أخبر به على ما قد بيّنّاه من قبل، وإنّما عنى تعالى بقوله: {إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ} أي: تكذّبون بقولكم إنّ الله حرّم هذا وحرّم السائبة علينا والوصيلة والحام، والبحيرة وأنّه شرع ذلك لهم، قال الله تعالى: {ما جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حامٍ} [المائدة: 103] أي: لم يفعل ذلك، وقال تعالى: {وَإِذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وَجَدْنا عَلَيْها آباءَنا وَاللَّهُ أَمَرَنا بِها} [الأعراف: 28] ، قال الله تعالى: {قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ} [الأعراف: 28]

فعلى مثل هذا قال: إن أنتم إلا تخرصون في ادّعائكم تحريم الله سبحانه ما لم يحرّمه فبطل بذلك ما تعلّقوا به.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت