فهرس الكتاب

الصفحة 202 من 438

{جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ(97)}

قالوا فمن هذا قوله تعالى: {جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرامَ قِيامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلائِدَ} إلى قوله {ذلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} .

قالوا: فأيّ مناسبة بين جعله البيت الحرام قياما للناس وبين قوله: «ليعلموا أنّ الله يعلم ما في السماوات وما في الأرض وأنّ الله بكلّ شيء عليم؟» وهل كان أن لو لم يجعل البيت قياما للناس أن لا يعلموا أنّ الله بكل شيء عليم، وإذا كان بكلّ شيء عليم جعل ذلك أو لم يجعله، فما معنى هذا الكلام، وما معنى جعله البيت الحرام والشهر الحرام قياما للناس.

فيقال لهم: ليس الأمر في هذا على ما ظننتم، وذلك أنّ العرب كانت في جاهليتها تشنّ الغارات، وتسفك الدماء الحرام، وتأخذ الأموال بغير الحق وتخيف السبيل وتطلب الثأر فيقتل بالمقتول قاتله وغير قاتله، وبالواحد الجماعة ويقتل القاتل وجاره ومن في ذمامه فجعل الله الكعبة البيت الحرام وما حوله والشهر الحرام قوما للناس أي أمنا لهم، لأنّ الخائف منهم كان إذا لجأ إلى البيت حقن دمه، وسلمت نفسه وزال خوفه، قال الله تعالى: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ} [العنكبوت: 67]

يعني بالقتل والإخافة والغارات وكانوا إذا دخل الشهر الحرام يكفّون عن الحرب والقتل وشنّ الغارات ويتبسّطون في الأرض آمنين على أموالهم وأنفسهم، فجعل الله البيت الحرام وما حوله والهدي والتقليد إليه من مصالح خلقه، وعائدا بحفظ نفوسهم وأموالهم وحقن دمائهم، ولو تركهم على ما كانوا عليه لتفانوا ولذهبت أموالهم وأنفسهم ولم يستقرّ بهم دار ولا قرار، وعرّفهم تعالى أنّه جعل ذلك من مصالحهم، فقال تعالى: {ذلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} يقول كما أنّني علمت أنّ جعل الكعبة الحرام والحرم قياما للناس وأمنا لهم، فإنّ ذلك من مصالحهم، واعلموا أيضا أنّني أعلم ما في السماوات وما في الأرض من مصالح أهلها ومرافقهم ووجوه دفع المضار عنهم، وأنّني مع ذلك بكل شيء عليم، فأيّ كلام أليق بكلام، وأشبه به من هذا لولا الجهل والتخليط.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت