فهرس الكتاب

الصفحة 158 من 438

{وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا (78) مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (79) }

فأمّا تعلّق الملحدة والقدرية في معارضة ما تلوناه من الآي في أنّ الباري مضلّ لمن شاء من العباد بضروب الضلال الذي ذكرناه بقوله تعالى: {ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ} ، فإنّه من عناد الزنادقة وجهل القدرية وغفلتها، وذلك أنّ الله سبحانه عاب هذا القول من قائله وذمّه وفنّده عليه، فقال في أول القصة: وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِكَ فعيّرهم بهذا القول وأخرجه مخرج الذمّ لهم عليه، ثم قال: {كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ} فردّ هذا القول وأخرجه مخرج الذمّ الذي عيّرهم عليه وأكذبهم فيه، بقوله لنبيه عليه السلام: {قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ} ثم قال {فَمالِ هؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا (78) ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ} ، على وجه التعيير لهم بهذا القول اقتصارا على شاهد الحال ومفهوم ذمّهم وتعييرهم بهذا القول في أوّل الخطاب، فكأنّه قال كلّ من عند الله فما لهؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا، يقولون ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك، فحذف يقولون لأجل دلالة الخطاب ومخرج القصد والبينة والكلام، ويدلّ على أنّ هذا هو التأويل أمران:

أحدهما: إجماع الأمة على أنّ الله ذمّ قائل هذا في النبي صلّى الله عليه وسلّم فلا يجوز أن يذمّهم بقوله ويصدّقهم فيه ويقول مثل قولهم ولا جواب عن هذا.

والوجه الآخر: أنّ الله تعالى قال: {وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِكَ} فهذا يدلّ على أنّ الذي يصيبهم من قبل غيرهم، وأنّه ليس من اكتسابهم، لأنّ أهل اللغة لا يستجيرون أن يقول القائل منهم: أصابتني سيئة إذا اكتسبت معصية، وإنّما يقولون أصبت سيئة أي فعلتها، وكذلك إذا فعل الحسنة لا يقول: أصابتني حسنة، وإنما يقول أصبت حسنة، والمصاب عندهم بالحسنة والسيئة هو الموجود ذلك به، من فعل غيره من نعمة هي حسنة أو بلية وأذيّة ونقمة، هي من فعل غيره، فأمّا استعمال أصابني ذلك في فعل الإنسان نفسه، فذلك محال ممتنع، فبطل بذلك ما قالوه.

فأمّا القدري فإنّه لا يقول إنّ الحسنة التي هي الطاعة وضدّ السيئة من الله، لأنّه لا يقول أنّ الله خلق الحسنة كما لا يقول أنه خلق السيئة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت