قال الملحدون: وهذا ما يأباه القوم في صفة صانعهم، قالوا ومن هذا قوله تعالى: {اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ} ، وقوله: {وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ} [الأنفال: 30] ، واللعب والاحتيال ممتنع عليه، وهذا باطل، وقد قال الناس في هذا ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه أراد وهو أهون عليه عندكم وفي تقديركم إذا كان ابتداء الشيء لا على مثال ونظير تقدّم أصعب عندكم من إعادته على مثال سلف، فضرب لهم المثل بما عندهم، ثم قال عقيب ذلك: وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلى [الروم: 27] ، أي أنّني أجلّ عن أن تكون هذه صفتي، وهذا ضد قوله: أو يزيدون يزيد عندكم وفي تقديركم.
وقال آخرون: أراد بقوله: «وهو أهون عليه» على الخلق، والهاء في عليه مردودة عليهم، وإنّما صار ذلك كذلك لأنّه يقول لهم سبحانه: كونوا أحياء ناطقين مميّزين وإذا هم بشر منتشرون، وذلك أسهل عليهم من كونهم نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم طفلا، ومن التنقّل من أصلاب الرجال إلى أرحام النساء ومن الطفولية إلى الكبر والهرم حالا بعد حال فكذلك صارت الإعادة أهون عليهم من الابتداء، فيمكن أن يكون أراد بقوله: «وهو أهون عليه» في أنه هيّن عليه، فيكون أهون بمعنى هيّن، لأن ذلك مستعمل في اللغة وهو المراد بقولهم الله أكبر إنّما معناه الكبير ولم يرد إضافته إلى شيء هو أكبر منه والمبالغة في تعظيمه عليه.
قال الفرزدق يهجو جريرا:
إنّ الذي رفع السماء بنى لنا ... بيتا دعائمه أعزّ وأطول
يريد أنّه عزيز طويل ولم يرد وصف بيت جرير بأنّه عزيز، وأنّ بيته أعزّ وأطول منه.
وقال آخر:
لعمرك ما أدري وإني لأوجل ... على أننا نغدوا المنيّة أول
يريد أني وجل فجعل أوجل بمعنى وجل، لأنّ أفعل تستعمل بمعنى فعل، وإذا كان ذلك كذلك بطل ما تعلقوا به بطلانا بينا.
وأما قوله تعالى: {سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلانِ} [الرحمن: 31] ، فلم يرد الفراغ من الشغل، يتعالى عن ذلك، وإنّما أراد أنّنا نقصد لحسابكم وجزائكم، والعرب تقول: سأفرغ لكلامك وسأفرغ لمسائلتك ومواقفتك يعني بذلك القصد إلى هذا دون الفراغ من شغل قاطع، فلا تعلّق لهم في هذا الباب.
وأما قوله تعالى: {وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ، وقوله: اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ، وأنّ المراد به والله أعلم يجازيهم على مكرهم واستهزائهم، وقد نسمي الجزاء على الشيء باسمه لما بينهما من التعلق، وقد ذكر هذا في إثبات المجاز، وذكروا منه قوله: فَما أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ} [البقرة: 175] ، وقوله: {فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ} [البقرة: 194] ، وقوله: {وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها} [الشورى: 40] .
وقال الشاعر:
ألا لا يجهلنّ أحد علينا ... فنجهل فوق جهل الجاهلينا
يريد فنكافئه على جهله، وقد قيل الجزاء على الشيء إنّما يسمّى باسمه لمقاربته له وتعلقه به وطول الاصطحاب، كما قالوا: القمران والعمران والأسودان، وهلاك أمتي في الأحمرين وأمثال ذلك.
قال الشاعر:
أخذنا بآفاق السماء عليكم ... لنا قمراها والنجوم الطوالع
يعني الشمس والقمر.
وقال آخر:
فقولوا لأهل المكّتين تحاشدوا ... وسيروا إلى آطام يثرب والنخل
يعني مكة والمدينة، وكذلك لمّا كان الجزاء مقرونا بالعمل، وكان على كل جرم عقوبة سموا الجزاء على الفعل باسمه للاصطحاب، وإذا كان ذلك كذلك بطل ما توهّموه من أنّ الله تعالى وصف نفسه باللعب، والهزل والمكر الذي هو تطلب المكائد والحيل.