فهرس الكتاب

الصفحة 70 من 438

{لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ(272)}

قوله: {لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ} ، وقوله: {وَما نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ} [الكهف: 56] ، وقوله تعالى: {إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (45) وَداعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِراجًا مُنِيرًا (46) } [الأحزاب: 45 - 46] ، في أمثال هذا ممّا خبّر فيه أنّ الهداية إليه وحده وليس يجوز أن يكون إليه وحده ما هو مشترك بينه وبين خلقه.

واعلموا - رحمكم الله - أن دعوة الرسول لا تكون هداية لأحد ولا توصف بذلك حتى يقارنها قبول المدعو وانتفاعه بها، ومتى عريت من ذلك لم تكن هداية له، فلذلك لا يجوز أن يقال إنّ الرسول قد هدى أبا جهل وأبا لهب وسائر من كفر به من قريش، ولم ينتفع بدعوته لأنّه إذا لم ينتفع المكلّف بالدعوة لم تكن من أسباب هدايته، وصارت ضررا عليه ووبالا وطريقا إلى عقابه، لأنّه لو لم تكن الدعوة لم يستوجب العقاب، فهي إذن ضرر مع عدم القبول والانتفاع، قال سبحانه وتعالى: {الم (1) ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ (2) } [البقرة: 1 - 2] ، وقال: {وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ} [البقرة: 26] ، وقال: {وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى} [فصلت: 44] ، فبيّن بذلك أجمع وأمثاله من الأخبار أنّ الدعوة هداية لمن قبلها وانتفع بها دون من ردّها واستضرّ بورودها، فبان بهذه الجملة أنّه لا منافاة بين إضافة الله سبحانه الهداية إليه، وبين إضافة الهداية إلى رسله وملائكته والمؤمنين إذا كان من أضافه إلى نفسه من ذلك غير ما أضافه إلى خلقه.

على أن الهداية التي أضافها إليهم إنّما هي الدعوة والتزيين والإرشاد والتنبيه والترغيب والتحذير، وعلى ذلك يدلّ قوله: {وَما نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ} [الكهف: 56] ، وقوله: {وَما عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ} [النور: 54] ، وكلّ هذا ممّا قد هدى الله سبحانه المؤمنين به على وجهين:

أحدهما: أنّ نفس دعوة الرسل وترغيبهم وترهيبهم وإرشادهم من فعل الله تعالى وخلقه وترتيبه وتدبيره، فهو أيضا هاد بذلك للمنتفع بالدعوة حسب هداية المكتسب له من الرّسل، ولا يجوز أن يكون الباري الهادي بهذه الهداية المكتسب لها دون خالقها الذي صارت نفسا حادثة موجودة به دون المكتسب لها، فوجب لذلك أن يكون لا تناقض بين إضافة الهداية الواحدة

إليهم تارة وإليه أخرى، لأنّها مضافة إليه تعالى من جهة الخلق والاختراع، ومضافة إليهم من جهة التصرّف والاكتساب، وقد شرحنا هذه الفصول، وكيف يكون عدلا واحدا لعدلين وهداية لمهديين، ووجه الاشتقاق من خلق الهداية والعدل واكتسابها وطريق تعلّقهما وإضافتهما في «شرح اللمع» وغيره مما يغني الناظر فيه إن شاء الله.

والوجه الآخر: أن الله تعالى قد هدى كل قابل للإيمان بمثل هداية الرسل في الدعوة والإرشاد والتزين والترغيب والترهيب، فصارت هذه الهداية مشتركة ومضافة إلى الله تعالى وإلى أوليائه، ومعنى الاشتراك فيها أن المضاف إلى الله سبحانه منها كالمضاف إلى رسوله وأوليائه، والضرب الأوّل هو الذي انفرد الله تعالى به، ولم يضفه إلى أحد من خلقه، وهو الذي عناه بقوله: {فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّما يَصَّعَّدُ فِي السَّماءِ} [الأنعام: 125] ، وقوله: {أُولئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ} [المجادلة: 22] ، وقوله: {حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيانَ أُولئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ} [الحجرات: 7] ، فلم يضف من ذلك شيئا إلى رسله ولا إلى أحد من خلقه، فبان بهذا أنّه لا تناقض في إضافات الهداية مرة إلى الله سبحانه، ومرة إلى رسوله، ومرة إلى المؤمنين والملائكة إذا نزّلت بحسب ما بيّناه ورتّبناه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت