وأخبر تعالى بمثل هذا بعينه عن نوح عند ذكر قصته مع قومه وكثرة دعائه لهم فقال تعالى: {قالُوا يا نُوحُ قَدْ جادَلْتَنا فَأَكْثَرْتَ جِدالَنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (32) قالَ إِنَّما يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ إِنْ شاءَ وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (33) وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [هود: 32 - 34] .
فأخبر عنه أنّه اعتقد وقال إنّ نصحه غير نافع لهم، إن كان الله يريد أن يغويهم، ولو لم يجز أن يعذّبهم الله، وأن يزيد غيّهم وضلالهم يضف إرادة ذلك إليه سبحانه، ويحيل عليه ضيق المقاليد بالأمر عليه، ولو تتبّعت قصص الرسل وأقاويلهم لوجدت جميعها شاهدة بما قلناه، وليس يجوز أن يكون لرسول من الرسل قول ومذهب في القدر وخلق الأفعال والهدى والضلال يخالف مذهب نوح وشعيب وموسى عليهم السلام، لأنّ ذلك يوجب تكذيب بعض أنبياء الله لبعض، واعتقاد بعضهم فيه تعالى ما لا يليق به، ولا يجوز في صفته وقد نزههم الله عن ذلك، ورفع أقدارهم وعظم بالإيمان والتقدّم في العلم به على سائر الخلق شأنهم ومكانهم.
وكيف لا يكون هذا قول الرسل ودينهم في الله تعالى، وهم يسمعونه يقول في كتبهم مثل الذي قاله لرسولنا في كتابه، وما هو بمعناه ممّا حكاه عنهم وما لم يحكه، والله يقول في كتابنا المنزّل على رسوله: {وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ} [النساء: 83] ، وقد علم كلّ ذي تحصيل أنّه لا يجوز أن يكون أراد بهذا الفضل الذي لولاه لاتّبعوا الشيطان، وما زكى منهم من أحد، وكانوا من الخاسرين، هو نفس البيان والأمر الذي هو على من ضلّ وخسر واتّبع الشيطان، فدلّ بذلك على أنّ هذا الفضل هو الهداية لخلق الإيمان وتوسعة الصدور والتوفيق، وجمع الهمم والدواعي على إيثاره وفعله وأنّه ليس له مثل هذا الفضل على من كفر وضلّ، وعلى هذا دلّ قوله: {يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلْإِيمانِ} [الحجرات: 17] ، ولو كانت الهداية هي الدعوة والبيان فقط، لكانت هذه المنّة بعينها له على أبي جهل وأبي لهب وسائر الكافرين، ولو كانت الكتمان والتصديق والطاعة والانقياد من اختراع المؤمنين وخلقهم وتقديرهم دون ربّ العالمين ودون رسوله لم يكن لله عليهم منة بالإيمان والتصديق ولا لرسوله، إذ كان الإيمان فعلهم ومن تقديرهم وواقع باختيارهم، وكان من المحال أن يمنّ الله عليهم بفعلهم وخلقهم، ولا قدرة له عليه عندهم ولا ملك له يتعلّق عليه، ولا هو ربّ له ولا إله له.
وكذلك قوله سبحانه: {حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيانَ أُولئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ (7) فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً} [الحجرات: 7 - 8]
وقوله: {إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ} [الأنبياء: 101] .
وقد علم الله أنّه لا يمكن أن يكون هذا التحبيب للإيمان والتزيين له والتكريه للكفر، هو نفس الأمر والنهي، والوعد والوعيد، والترغيب والترهيب، إذ قد وجد ذلك لمن ليس بمحبّ الإيمان ولا كاره للكفر، وكذلك فلا يجوز أن تكون الحسنى السابقة للمؤمنين هو سبق بيانه إليهم وترغيبه إيّاهم، لأنّ ذلك أجمع ممّا قد سبق للكافرين، وهم غير مبعدين من النار، ولا يجوز أيضا أن يكون سبق الحسنى لهم بمعنى أنّها الجنّة بما كان لأمره ونهيه إياهم، وإنّما سبقت الجنّة إن كانت هي الحسنى بما سبق لهم من الهداية وقسمهم لها دون البيان والأمر والنهي.