وللدكتور محمد مصطفى الأعظمي كتاب قيم في الموضوع بعنوان: (دراسات في الحديث النبوي وتاريخ تدوينه) وهو رسالة دكتوراة من جامعة كمبردج، طبعة المكتب الإسلامي، وقد اطلعت على بحوث متنوعة في الموضوع، كلها ترى أن تدوين الحديث على عهد النبي-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-كان موجودًا بين بعض الأشخاص، ولم يكن موسَّعًا، وقد ذهب إلى هذا القول العلامة عبد الحي الكتاني، كما ذهب إلى القول نفسه العلامة صبحي صالح، والتهانوي، وغيرُهم كثير، وزعموا أن النهي عن كتابة الحديث نسخ!.
وقال العلامة طاهر الجزائري الدمشقي في: (توجيه النظر إلى أصول الأثر) (ص:45/ 56) في الفصل الثاني: (في سبب جمع الحديث في الصُّحُف وما يناسب ذلك) : (كانت الصحابة-رضي الله عنهم-لا يكتبون عن النبي-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-غيرَ القرآن، أخرج مسلم في:(صحيحه) كتاب الزهد، باب: (التثبت في الحديث وحكم كتابة العلم) (18/ 129) ، عن أبي سعيد الخدري-رضي الله عنه-أنه قال: قال رسول الله-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: (لا تكتبوا عني، ومن كتب عني غيرَ القرآن فليَمحُه، وحدثوا عني ولا حرج، ومن كذب عليّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار) .
قال كثير من العلماء: نهاهم عن كتابة الحديث، خشية اختلاطه بالقرآن، وهذا لا يُنافي جوازَ كتابتِه، إذا أُمِنَ اللبسُ، وبذلك يحصلُ الجمعُ بين هذا وبين قوله عليه الصلاة والسلام في مرضه الذي توفي فيه:"إيتوني بكتابٍ أكتُبُ لكم كتابًا لا تَضلُّوا بعده"، وقولِه:"اكتبوا لأبي شاه"، وغيرِذلك مما هو معروف.
ولما تُوُفِّي النبي-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-، بادَرَ الصحابةُ إلى جمعِ ما كُتِبَ في عهده في موضعٍ واحد، وسَمَّوا ذلك الْمُصحفَ، واقتصَروا على ذلك، ولم يتجاوزوه إلى كتابةِ الحديث وجَمعِهِ في موضعٍ واحدٍ كما فعلوا بالقرآن، لكن صَرَفوا هممَهم إلى نشرِه بطريق الرواية، إما بنفس الألفاظ التي سمِعوها منه عليه الصلاة والسلام، إن بقيتْ في أذهانهم، أو: بما يُؤدِّي معناها إن غابت عنهم، فإن المقصود بالحديث هو المعنى، ولا يَتَعَلَّقُ في الغالب حُكْمٌ بالمبنى، بخلاف القرآن، فإن لألفاظه مدخَلًا في الإعجاز، فلا يجوز إبدال لفظ منه بلفظ آخر ولو كان مرادفًا له، خشيةَ النسيان، مع طول الزمان، فوجب أن يُقَيَّدَ بالكتابة ولا يُكتفى فيه بالحفظ ... ).