فهرس الكتاب

الصفحة 706 من 760

ولا ريب أن قولهم: (هذا ضعيف) ، جرح مجرد، فيمكن أن يكون ضعفُه عند الجارح بما لا يراه المجتهدُ العامل بروايته جرحًا.

فإن قيل: إن الإنكار جرحٌ مفسَّر، كما صرَّح به الحُفَّاظ، أجيب بأن معنى منكر الحديث-كما سمعتَ-ضعيف خالف الثقة، والأسباب الحاملة للأئمة على الجرح متفاوتة، منها ما يقدح ومنها ما لا يقدح، فربما ضُعِّف بشيء لا يراه الآخرُ جَرْحًا. ومع قطع النظر عن هذا التحقيق، لا تضر النكارة إلا عند كثرة المخالفة للثقات.

5 -وقال أيضًا: من ضَعَّفه-يعني (عبد الرحمن بن الواسطي) راويَ حديث (وضع اليدين تحت السرة) المخرج في (سنن أبي داود) -إنما ضعفه لأنه خالف في بعض المواضع الثقات، وتفرد في بعضهما بالروايات، وهو لا يضر، وإنما تضر كثرة المناكير وكثرة مخالفة الثقات، ولم تثبت.

6 -وقال الحافظ ابن حجر في (مقدمة فتح الباري) (2/ 120) في ترجمة (ثابت بن عجلان الأنصاري) : قال العقيلي: لا يتابع على حديثه. وتعقب ذلك أبو الحسن بن القطان بأن ذلك لا يضره إلا إذا كثرت منه رواية المناكير، ومخالفة الثقات. وهو كما قال.

وقال السيوطي في (تدريب الراوي شرح تقريب النووي) (ص:153) : وقع في عباراتهم: أنكر ما رواه فلان كذا، وإن لم يكن ذلك الحديث ضعيفًا، قال ابن عدي: أنكر ما روى بريدة بن عبد الله بن أبي بردة [1] : (إذا أراد الله بأمة خيرًا قبض نبيَّها قبلها) .

قال: وهذا طريق حسن، رواته ثقات، وقد أدخله قوم في صحاحهم [2] وقال أيضًا- (ص:153) : قال الذهبي: أنكر ما للوليد بن مسلم من الأحاديث: حديث حفظ القرآن [3] وهو عند الترمذي وحسنه، وصححه الحاكم على

(1) -جاء في (تدريب الراوي) من الطبعة الخيرية (ص:85) : (يزيد بن عبد الله) وهو تحريف واضح. كما قال شيخنا أبو غدة في هامش (الرفع والتكميل ... ) (ص:205) .

(2) -قال الحافظ السيوطي في (التدريب) (ص:153) : (والحديث في صحيح مسلم) . وهو فيه في كتاب الفضائل في أوائله، خلال ذكر فضائل النبي - صلى الله عليه وسلم - (15/ 52 - بشرح النووي) . وجاء في الشرح هذا العنوان: (باب إذا أراد الله رحمة أمة قبض نبيها قبلها) ، وسقط من الفهرس بآخر الجزء ...

ونصُّ الحديث بسند مسلم إليه كالآتي: (وَحُدِّثتُ عن أبي أسامة-هو حماد بن أسامة أبو أسامة الكوفي الإمام الحافظ الحجة المتوفى سنة 201، قبل ولادة مسلم بثلاث سنين-وممن روى ذلك عنه إبراهيم بن سعيد الجوهري: حدثنا أبو أسامة، حدثني بريد بن عبد الله، عن أبي بُردة، عن أبي موسى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: إن الله عز وجل إذا أراد رحمة أمة من عباده، قَبض نبيَّها قبلها، فجعله لها فرطًا وسلفًا بين يديها، وإذا أراد هلكة أمة عذبها ونبيها حي، فأهلكها وهو ينظر، فأقر عينه بهلكتها حين كذَّبوه وعصوا أمره) .

قال النووي -رحمه الله تعالى-في الشرح: (قال المازري والقاضي-أي: عياض-: هذا الحديث من الأحاديث المنقطعة في(مسلم) ، فإنه لم يُسَمِّ الذي حدثه عن أبي أسامة. قلت: وليس هذا حقيقة انقطاع، وإنما هو رواية مجهول).

(3) -حديث دعاء حفظ القرآن ضعيف جدًا. أخرجه الترمذي في (جامعه) في (أبواب الدعاء) في (باب: في دعاء الحفظ) (13/ 75 - بشرح ابن العربي-) و (4/ 274/رقم:3570) من (تحفة الأحوذي) للمباركفور، وقد تكلم على سنده كلامًا وافيًا، وهو من طريق سليمان بن عبد الرحمن الدمشقي، حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا ابن جريج، عن عطاء بن أبي رباح وعكرمة مولى ابن عباس، عن ابن عباس ...

وقال عقبه: هذا حديث لا نعرفه إلا من حديث الوليد بن مسلم، وأخرجه الحاكم في (المستدرك) (1/ 316/317) فتعقبه الإمام الذهبي في (تلخيصه) ، قائلًا: هذا حديث منكر شاذ، أخاف أن يكون موضوعًا وقد حيرني والله جودة سنده، وقال في ترجمة: سليمان بن عبد الرحمن من (الميزان) (2/ 213) : وهو-مع نظافة سنده-حديث منكر جدًا في نفسي منه شيء، فالله أعلم، فلعل سليمان شبه له، وأدخل عليه؟ كما قال فيه أبو حاتم: لولا أن رجلًا وضع له حديثًا لم يفهم).

قلت: وفيه عنعنة ابن جريح وهو مدلس والوليد بن مسلم مدلس تدليس التسوية، فلعل ابن جريج رواه عن رجل عن عطاء وعكرمة، فأسقط الوليد الرجل، وجعله عن عطاء وعكرمة، فتكون البلية من ذلك الرجل.

وأورده الحافظ المنذري في (الترغيب والترهيب) (2/ 214) من رواية الترمذي والحاكم، وقال: طرق أسانيد هذا الحديث جيدة، ومتنه غريب جدًا.

انظر: (ضعيف الترغيب) للمحدث الألباني. وهامش (العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم) للعلامة محمد بن إبراهيم الوزير اليماني. تحقيق الشيخ شعيب الأرناؤوط (1/ 442 - ط: مؤسسة الرسالة) الطبعة الثانية (1415 هـ 1994 م) وهامش (الرفع والتكميل في الجرح والتعديل) (ص:207) ، و (اللآلئ المصنوعة) (3/ 67) ، و (تنزيه الشريعة) (2/ 112) و (الفوائد المجموعة ... ) (ص:42/ 43) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت