فهرس الكتاب

الصفحة 97 من 760

وإنما مَنشأُ ذلك الخِلاف-حسَب فَهمِي-أنَّ هؤلاء العلماءَ فَهِمُوا من كلام ابنِ الصلاحِ أنه يُريد به إغلاقَ بابِ الاجتهاد في الْحُكم على الأحاديث، ويراه متعذِّرًا في هذه العصور المتأخرة، فنقَضوا عليه ذلك، بأنَّ بابَ الاجتهادِ مفتوحٌ لمن تمكَّنَ وقَويت مَعرفتُه، ولا وجهَ لإغلاقه، ما دامَ أن تحقيقَ شروطِه مُتاح وآلاته متاح موجودةٌ متوفرةٌ.

والمتأمِّل لِكلام الإمامِ ابن الصلاح يَتجلى له أنه لم يَقْصِدْ هذا الذي فهموه عنه، وأنَّ كلامَه إنما يَتعلق بنوع من الرويات، رُويت في كتبٍ مُعِينة في أزمِنة ومعينةٍ، يَتَعذر الْحُكم عليها بمجردِ اعتبار الأسانيدِ، لا لشيءٍ إلا لأنَّ الأسانيدَ في هذه الأزمنة لم يَتحقَّق فيها-أو: في أغلبها-الشرائطُ المعتبرةُ لصحتها.

سواء منها المتعلِّق بالعدالة والضبط، أو: المتعلق باتصال الإسناد، فضلًا عن السلامة من الشذوذ والسلامة من العلة.

وقد أشار الإمام ابن الصلاح إلى بعض ذلك، فذكر ما يُفيد إلى أن نَوعَيِ الضبطِ-ضبط الصدر، وضبط الكتاب-غيرُ متحقِّقَيْن في رواةِ هذه الأزمنة؛ لأنهم يعتمدون على كُتب لا يُؤمن فيها التغيير والتحريف، فهي غيرُ مضبوطة، وهم أيضا لا يَحفظون مافيها، فهملا ينتبهون إلى ما فيها من تغيير وتحريف؛ لأن مثل هذا إنما يدركه الحافظ غالبًا، وأما غير الحافظفأنى له إدراكُ ذلك؟

قال ابن الصلاح: (لأنه ما من إسناد من ذلك إلا ونجد في رجاله من اعتمدَ في روايته على ما في كتابه، عريًّاعما يُشترط في الصحيح من الحفظ والضط والإتقان، فآل الأمر إذًا-في معرفة الصحيح والحسن-إلى الاعتماد على مانص عليه أئمة الحديث في تصانيفهم المعتمدة المشهورة، التي يُؤمن فيه- لشهرتها-من التغيير والتحريف) .

فواضح من كلام الإمام ابن الصلاح أنه يقصد رواياتٍ تقع في كتب معينة، وهي-كما نص عليها: (أجزاء الحديث وغيرها) ،يعني: من الكتب المتأخرة التي صنفهاالمتأخرون، وأودعوا فيها روايات قصدوا بها الإغراب أحيانًا؛ ككتب الأفراد، أو: العلو أحيانا أُخرى؛ كعامة كتب المتأخرين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت