فهرس الكتاب

الصفحة 98 من 760

وهذه الروايات؛ عامتها يرويها الشيوخ المتأخرون الذين لا همَّ لهم إلا العلو بالإسناد، أو: تحصيل شرف الرواية لا غير، فهم غير حافظين لما يروون، ولا عارفين بما يَعتري الكتب التي سمعوها من تصحيف وتحريف، وزيادةٍ ونقص.

ومثل هؤلاء الرواة؛ لم يكونوا بمحل الثقة عند المتقدمين؛ لأنهم لم يحققوا ما يستحقون به وصف الثقة، فهم غير حافظين لما يروونه، فلم يحققوا ضبط الكتاب.

إلا أن المتأخرين توسعوا في مثل هؤلاء، ومنحوهم وصف الثقة، واصطلحوا لأنفسهم أن الثقة في زمانهم هو من صح سماعه، بقراءته أو: بحضوره مجلس السماع؛ حفظ أو لم يحفظ، ضبط أو: لم يضبط.

وهذا التساهل الواقع فيه المتأخرون، كما أنه كان سببًا في الإخلال في تحقيق شرط الضبط في الراوي على نحو ما سبق بيانه، كان أيضًا سببًا للإخلال ببقية شرائط الصحة؛ من الاتصال والسلامة من الشذوذ والعلة.

فأما الإتصال فواضح؛ لأن التساهل في تحمل الحديث منه: أن المتأخرين جوزوا صورًا من التحمل لم تكن معهودةً عند المتقدمين، وما جَوَّزها المتأخرون إلا من باب التوسع والتساهُل إبقاءً لسلسلة الإسناد، من ذالك الإجازة العامة، والإجازةُ للمجهول والمعدوم، وكذا الإجازة للطفل غير المميز، ونحو ذلك.

حتى قالالحافظ ابن حجر- بعد أن ساق صور الإجازة وما في بعضها من تساهل، قال [1] : (وكل ذلك-كما قال ابن الصلاح-توسع غير مرضي؛ لأن الإجازة الخاصة المعينة مختلف في صحتها اختلافًا قويًا عند القدماء، وإن كان العمل استقر على اعتبارها عند المتأخرين؛ فهي دون السماع بالاتفاق، فكيف إذا حصل فيها الاسترسالُ المذكور؟ فإنها تزداد ضعفًا، لكنها في الجملة خير من إيراد الحديث معضلًا، والله أعلم) .

(1) -انظر: (الإرشادات في تقوية الأحاديث بالشواهد والمتابعات) (ص:23/ 24) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت