وَاخْتَلَفُوا هَلْ يُعْتَبَرُ ثُلُثُ الْمَالِ حَالَ الْوَصِيَّةِ أَوْ حَالَ الْمَوْتِ ؟ قَوْلَانِ ؛ وَهُمَا وَجْهَانِ لِلشَّافِعِيَّةِ أَصَحُّهُمَا الثَّانِي ، وَقَالَ بِالْأَوَّلِ مَالِكٌ وَأَكْثَرُ الْكُوفِيِّينَ وَالْبَصْرِيِّينَ وَهُوَ قَوْلُ النَّخَعِيّ وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَقَالَ بِالثَّانِي أَبُو حَنِيفَةَ وَأَحْمَدُ وَالْبَاقُونَ ، وَهُوَ قَوْلُ عَلِيٍّ وَجَمَاعَةٍ مِنْ التَّابِعِينَ ؛ وَتَمَسَّك الْأَوَّلُونَ بِأَنَّ الْوَصِيَّةَ عَقْدٌ وَالْعُقُودُ تُعْتَبَرُ بِأَوَّلِهَا ، وَلِأَنَّهُ لَوْ نَذَرَ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِثُلُثِ مَالِهِ اُعْتُبِرَ حَالَةَ النَّذْرِ اتِّفَاقًا ، وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْوَصِيَّةَ لَيْسَتْ عَقْدًا مِنْ كُلِّ جِهَةٍ ، وَلِذَلِكَ لَا يُعْتَبَرُ فِيهَا الْفَوْرُ وَلَا الْقَبُولُ وَبِالْفَرْقِ بَيْنَ النَّذْرِ وَالْوَصِيَّةِ بِأَنَّهَا يَصِحُّ الرُّجُوعُ مِنْهَا وَلَا يَصِحُّ مِنْهُ ، وَثَمَرَةُ هَذَا الْخِلَافِ تَظْهَرُ فِيمَا لَوْ حَدَثَ بَعْدَ الْوَصِيَّةِ ، وَلَا شَكَّ عِنْدِي أَنَّ مَذْهَبَ أَصْحَابِنَا هُوَ الثَّانِي وَبِهِ جَرَتْ الْفَتْوَى ، وَاخْتَلَفُوا أَيْضًا: هَلْ يُحْسَبُ الثُّلُثُ مِنْ جَمِيعِ الْمَالِ أَوْ يَتَقَيَّدُ بِمَا عَلِمَهُ الْمُوصِي دُونَ مَا خَفِيَ عَنْهُ أَوْ تَجَدَّدَ لَهُ وَلَمْ يَعْلَمْ بِهِ ؟ وَبِالْأَوَّلِ قَالَ الْجُمْهُورُ وَأَصْحَابُنَا ، وَبِالثَّانِي قَالَ مَالِكٌ ، وَحُجَّةُ الْجُمْهُورِ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَسْتَحْضِرَ مِقْدَارَ الْمَالِ حَالَةَ الْوَصِيَّةِ اتِّفَاقًا وَلَوْ كَانَ عَالَمًا وَلَوْ كَانَ الْعِلْمُ بِهِ شَرْطًا لَمَا جَازَ ذَلِكَ .