فهرس الكتاب

الصفحة 16394 من 17437

التَّنْبِيهُ الْخَامِسُ: الْخَوْفُ قَاصِرٌ أَوْ مُفْرِطٌ أَوْ مُعْتَدِلٌ وَسَطٌ ، وَهُوَ الْمَحْمُودُ فَأَمَّا الْقَاصِرُ فَهُوَ الَّذِي يَجْرِي مَجْرَى رِقَّةِ النِّسَاءِ تَخْطِرُ بِالْبَالِ عِنْدَ سَمَاعِ آيَةٍ مِنْ الْقُرْآنِ ، أَوْ مُشَاهَدَةِ هَائِلٍ تُورِثُ الْبُكَاءَ وَتُفِيضُ الدَّمْعَ ، فَإِذَا غَابَ السَّبَبُ عَنْ الْحِسِّ رَجَعَ الْقَلْبُ إلَى الْغَفْلَةِ ، وَهُوَ خَوْفٌ قَلِيلُ الْجَدْوَى ، كَالْقَضِيبِ الضَّعِيفِ الَّذِي تُضْرَبُ بِهِ دَابَّةٌ قَوِيَّةٌ فَإِنَّهَا لَا تَسْتَقِيمُ بِهِ ، وَهَكَذَا خَوْفُ النَّاسِ كُلِّهِمْ إلَّا الْعَارِفِينَ وَالْعُلَمَاءَ بِاَللَّهِ وَآيَاتِهِ وَأَفْعَالِهِ ، وَلَا أَعْنِي الْعُلَمَاءَ بِمَسَائِلِ الْعِلْمِ ، قَالَ الْغَزَالِيُّ: هُمْ أَبْعَدُ النَّاسِ عَنْ الْخَوْفِ ، وَلِذَلِكَ قَالَ الْفُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ: إذَا قِيلَ لَكَ هَلْ تَخَافُ اللَّهَ ؟ فَاسْكُتْ فَإِنَّكَ إنْ قُلْتَ: لَا كَفَرْتَ ، وَإِنْ قُلْتَ: نَعَمْ كَذَبْتُ ، أَيْ لِأَنَّ الْخَوْفَ هُوَ الَّذِي يَكُفُّ الْجَوَارِحَ عَنْ الْمَعَاصِي وَمَا لَمْ يُؤَثِّرْ فِي الْجَوَارِحِ فَهُوَ حَدِيثُ النَّفْسِ ، وَأَمَّا الْمُفْرَطُ فَمَذْمُومٌ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى الْيَأْسِ وَيَمْنَعُ مِنْ الْعَمَلِ ، أَوْ إلَى الْمَرَضِ وَالْحَيْرَةِ ، وَزَوَالِ الْعَقْلِ ، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ مِنْ الْخَوْفِ: الْحَمْلُ عَلَى الْعَمَلِ وَالتَّحَرُّزُ مِنْ الْمَحْذُورِ ، وَمَنْ مَاتَ بِالْخَوْفِ مَاتَ شَهِيدًا لَكِنْ لَيْسَ أَفْضَلَ مِنْ أَنْ يَبْقَى فِي زِيَادَةِ الْعَمَلِ وَطَرْحِ الْمَعَاصِي وَاكْتِسَابِ الْمَعَارِفِ بِاَللَّهِ تَعَالَى ، وَإِنَّمَا شَهَادَتُهُ أَفْضَلُ بِالنِّسْبَةِ إلَى مَا دُونَهَا ، وَإِذَا أَثْمَرَتْ دَرَجَاتُ الصِّدِّيقِينَ وَهُوَ أَنْ يَسْلُبَ الظَّاهِرَ وَالْبَاطِنَ عَمَّا سِوَى اللَّهِ تَعَالَى حَتَّى لَا يَبْقَى لِغَيْرِ اللَّهِ فِيهِ مُتَّسَعٌ فَهُوَ أَقْصَى مَا يُحْمَدُ مِنْ الْخَوْفِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت