فهرس الكتاب
إفْتَاءٌ عَلَى الِاطْمِئْنَانِ أَوْ بِغَيْرِ ذَلِكَ ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ لِعَلِيٍّ: { إذَا حَضَرَ الْخَصْمَانِ فَلَا تَقْضِ لِأَحَدِهِمَا حَتَّى تَسْمَعَ حُجَّةَ خَصْمِهِ وَفِي رِوَايَةٍ: لَا تَقْضِ لِأَحَدِهِمَا حَتَّى تَسْمَعَ حُجَّةَ الْآخَرِ } .
وَلِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا تَسْمَعْ حُجَّةً عَلَى غَائِبٍ وَلَا يَجُوزُ عَلَيْهِ حُكْمٌ ، وَكَانَ فِيمَا قِيلَ: يَحْكُمُ لِلْمَرْأَةِ عَلَى زَوْجِهَا وَهُوَ غَائِبٌ ، وَقَالَ أَصْحَابُنَا: يَجُوزُ الِاسْتِمَاعُ عَلَى الْغَائِبِ عَنْ مِصْرِهِ وَالْمُمْتَنِعُ عَنْ الْحُكْمِ وَالْحُضُورِ إلَى مَجْلِسِ الْحَاكِمِ وَإِنْفَاذِ الْحُكْمِ عَلَيْهِ ، وَوَافَقَهُمْ الشَّافِعِيُّ وَدَاوُد لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي } ، فَفِي جَعْلِهَا عَلَى الْمُدَّعِي دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُ إذَا أَحْضَرَهَا حَكَمَ بِهَا ، وَبِحَدِيثِ هِنْدَ بِنْتِ عُتْبَةُ ، كَذَا قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ الْحَضْرَمِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ ، وَهُوَ صَحِيحٌ ؛ لِأَنَّ امْتِنَاعَ الْخَصْمِ كَحُضُورِهِ ، لَكِنْ الَّذِي عِنْدِي أَنَّهُ يُجْبَرُ عَلَى الْحُضُورِ وَرَدِّ الْجَوَابُ ، قَالَ: وَأَمَّا الْحُدُودُ فَلَا يَحْكُمُ بِهَا غَائِبٌ بِاتِّفَاقِ الْأُمَّةِ وَقَالَ ابْنُ مَحْبُوبٍ: إذَا تَوَلَّى عَنْ الْمَجْلِسِ أَوْ تَمَاجَنَ فِي السِّجْنِ اسْتَمَعَ عَلَيْهِ الْحُجَّةَ وَحَكَمَ عَلَيْهِ ، وَإِنْ اسْتَخْلَفَ أَحَدُ الْخَصْمَيْنِ عَلَى خُصُومَتِهِ رَجُلًا فَلَمَّا أَنْ رَأَى الْحَاكِمَ أَرَادَ أَنْ يَحْكُمَ عَلَى خَلِيفَتِهِ نَزَعَهُ مِنْ الْخِلَافَةِ فَإِنَّهُ قَدْ زَالَ مِنْ الْخِلَافَةِ ، وَيَحْكُمُ الْحَاكِمُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِمَا تَبَيَّنَ عِنْدَهُ مِنْ ذَلِكَ ، فَإِنْ أَفَاقَ الْمَجْنُونُ أَوْ بَلَغَ الطِّفْلُ حِينَ أَرَادَ أَنْ يَحْكُمَ عَلَى خَلِيفَتِهِ ، أَوْ حِينَ أَرَادَ أَنْ يَحْكُمَ لِخَلِيفَتِهِ فَإِنَّهُ يَحْكُمُ لِصَاحِبِ الْحَقِّ ، وَيَحْكُمُ عَلَى مَنْ كَانَ عَلَيْهِ الْحَقُّ مِنْهُمَا حِينَ صَحَّتْ عُقُولُهُمَا ، وَإِنْ نَزَعَ الْأَبُ خَلِيفَةَ ابْنِهِ الطِّفْلِ عَلَى الْخُصُومَةِ أَوْ الْمَجْنُونِ أَوْ نَزَعَتْ