فهرس الكتاب
تَنْبِيهٌ: عَرَّفَ بَعْضُهُمْ الشَّهَادَةَ بِأَنَّهَا: قَوْلٌ بِحَيْثُ يُوجِبُ عَلَى الْحَاكِمِ سَمَاعَ الْحُكْمِ بِمُقْتَضَاهُ إنْ عَدَلَ قَائِلُهُ ، بِقَوْلِهِ: يُوجِبُ عَلَى الْحَاكِمِ إلَخْ مُخْرِجٌ لِلرِّوَايَةِ ، وَلَمْ يَقُلْ: عَلَى الْقَاضِي ؛ لِأَنَّ الْحَاكِمَ كَمَا مَرَّ أَعَمُّ مِنْهُ لِوُجُودِهِ فِي التَّحْكِيمِ ، وَالْأَمِيرِ ، وَقَوْلُهُ: إنْ عَدَلَ قَائِلُهُ ، أَيْ أَنْ تُثْبَتَ عَدَالَتُهُ عِنْدَ الْقَاضِي ، وَقَالَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ: أَقَمْتُ ثَمَانَ سِنِينَ أَطْلُبُ الْفَرْقَ بَيْنَ الشَّهَادَةِ وَالرِّوَايَةِ وَأَسْأَلُ الْفُضَلَاءَ عَنْهُ ، وَتَحْقِيقَ مَاهِيَةِ كُلٍّ مِنْهُمَا فَيَقُولُونَ: الشَّهَادَةُ يُشْتَرَطُ فِيهَا التَّعَدُّدُ وَالذُّكُورَةُ وَالْحُرِّيَّةُ ، فَأَقُولُ لَهُمْ: اشْتِرَاطُ ذَلِكَ فَرْعُ تَصَوُّرِهَا وَتَمَيُّزِهَا عَنْ الرِّوَايَةِ حَتَّى وَجَدْتُهُ عَنْ بَعْضِهِمْ حَقَّقَهُ فِي بَعْضِ الشُّرُوحِ ، فَقَالَ: هُمَا خَبَرَانِ ، غَيْرَ أَنَّ الْمُخْبَرَ عَنْهُ إنْ كَانَ عَامًّا لَا يَخْتَصُّ بِمُعَيَّنٍ فَهُوَ الرِّوَايَةُ كَقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ"وَ"الشُّفْعَةُ فِيمَا لَمْ يُقَسَّمْ"، فَإِنَّ ذَلِكَ عَامٌّ فِي الْأَشْخَاصِ وَالْأَعْصَارِ وَالْأَمْصَارِ ، بِخِلَافِ قَوْلِ الْعَدْلِ عِنْدَ الْحَاكِمِ لِهَذَا عِنْدَ ذَا دَيْنٌ ، فَإِنَّهُ إلْزَامٌ لِمُعَيَّنٍ لَا يَتَعَدَّاهُ ، فَهَذَا هُوَ الشَّهَادَةُ ، وَالْأَوَّلُ هُوَ الرِّوَايَةُ ، وَوَجْهُ اشْتِرَاطِ التَّعَدُّدِ فِي الشَّهَادَةِ وَبَقِيَّةِ الشُّرُوطِ أَنَّ إلْزَامَ الْمُعَيَّنِ تُتَوَقَّعُ فِيهِ عَدَاوَةٌ بَاطِنَةٌ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهَا الْحَاكِمُ ، فَاحْتَاطَ الشَّارِعُ لِذَلِكَ بِاشْتِرَاطِ آخَرَ مَعَهُ ، وَنَاسَبَ شَرْطُ الذُّكُورِيَّةِ أَيْضًا لِأَنَّ إلْزَامَ الْمُعَيَّنِ حُكْمًا عَلَيْهِ وَقَهْرًا تَأْنَفُهُ النُّفُوسُ الْأَبِيَّةُ ، فَهِيَ مِنْ النِّسَاءِ أَشَدُّ نِكَايَةً ، فَحُقِّقَ ذَلِكَ بِاشْتِرَاطِ الذُّكُورِيَّةِ ، لِأَنَّهُنَّ نَاقِصَاتُ عَقْلٍ وَدِينٍ ، وَبِمَعْنَى مَا ذُكِرَ قَوْلُ الشَّمَّاخِيِّ فِي الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا أَنَّ الشَّهَادَةَ تَخْتَصُّ بِمُعَيَّنٍ ،