فهرس الكتاب

الصفحة 13792 من 17437

الْجَيْشِ فَيُخَلِّيَ الْقَلْبَ قَصْدًا وَتَعَمُّدًا حَتَّى إذَا تَوَسَّطَهُ الْعَدُوُّ وَاشْتَغَلَ بِنَهْبِهِ أَطْبَقَ عَلَيْهِ الْجَنَاحَانِ ، وَقَدْ فَعَلَهُ رِجَالٌ مِنْ أَهْلِ الْحُرُوبِ ، وَمِنْ أَعْظَمِ الْمَكَائِدِ فِي الْحُرُوبِ الْكَمِينُ ، وَذَلِكَ أَنَّ الْفَارِسَ لَا يَزَالُ عَلَى حَمِيَّةٍ فِي الدِّفَاعِ عَنْ حِمَى الذِّمَارِ حَتَّى يَلْتَفِتَ فَيَرَى نَبْذًا مَنْشُورًا وَيَسْمَعَ صَوْتَ الطُّبُولِ فَحِينَئِذٍ يَكُونُ هَمُّهُ خَلَاصَ نَفْسِهِ ، وَعَلَيْكَ بِانْتِخَابِ الْفُرْسَانِ وَاخْتِيَارِ الْأَبْطَالِ وَلَا تَنْسَ قَوْلَ الشَّاعِرِ: وَالنَّاسُ أَلْفٌ مِنْهُمْ كَوَاحِدٍ وَوَاحِدٌ كَالْأَلْفِ إنْ أَمْرٌ عَنَى .

بَلْ قَدْ جُرِّبَ ذَلِكَ فَوُجِدَ الْوَاحِدُ خَيْرًا مِنْ عَشَرَةِ آلَافٍ ، وَسَأَحْكِي لَكَ مِنْ ذَلِكَ مَا تَقْضِي فِيهِ الْعَجَبَ ، فَمِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا الْتَقَى الْمُسْتَعِينُ بْنُ هُودٍ مَعَ الطَّاغِيَةِ ابْنِ رُومِيلَ النَّصْرَانِيِّ عَلَى مَدِينَةٍ وَشُقَّةٍ مِنْ ثُغُورِ الْأَنْدَلُسِ ، وَكَانَ الْعَسْكَرَانِ كَالْمُتَكَافِئِينَ كُلُّ وَاحِدٍ يُرَاهِقُ عِشْرِينَ أَلْفَ مُقَاتِلٍ بَيْنَ خَيْلٍ وَرِجَالٍ ، فَحَدَّثَنِي رَجُلٌ مِمَّنْ حَضَرَ الْوَقْعَةَ مِنْ الْأَجْنَادِ ، وَقَالَ: لَمَّا دَنَا اللِّقَاءُ قَالَ الطَّاغِيَةُ ابْنُ رُومِيلَ لِمَنْ يَثِقُ بِعَقْلِهِ وَمُمَارَسَتِهِ لِلْحُرُوبِ مِنْ رِجَالِهِ: اسْتَعْلِمْ لِي مَنْ فِي عَسْكَرِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ الشُّجْعَانِ الَّذِينَ نَعْرِفُهُمْ كَمَا يَعْرِفُونَا ، وَمَنْ غَابَ مِنْهُمْ وَمَنْ حَضَرَ ، فَذَهَبَ ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ: فِيهِمْ فُلَانٌ وَفُلَانٌ فَعَدَّ سَبْعَةَ رِجَالٍ ، فَقَالَ لَهُ: اُنْظُرْ فِي عَسْكَرِي مِنْ الرِّجَالِ الْمَعْرُوفِينَ بِالشَّجَاعَةِ وَمَنْ غَابَ مِنْهُمْ فَعَدَّهُمْ فَوَجَدَهُمْ ثَمَانِيَةً لَا يَزِيدُونَ ، فَقَامَ الطَّاغِيَةُ ضَاحِكًا مَسْرُورًا وَهُوَ يَقُولُ: يَا بَيَّاكَ مِنْ يَوْمٍ ، يَعْنِي مَا أَشَدَّ بَيَاضَكَ مِنْ يَوْمٍ ، ثُمَّ ثَارَتْ الْحَرْبُ بَيْنَهُمْ فَلَمْ تَزَلْ الْمُضَارَبَةُ بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ وَلَمْ يُوَلِّ أَحَدُهُمْ دُبُرَهُ وَلَا تَزَحْزَحَ عَنْ مَقَامِهِ حَتَّى فَنِيَ أَكْثَرُ الْعَسْكَرَيْنِ ، وَلَمْ يَفِرَّ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت