بَابٌ فِي الْفَرْضِ وَالتَّعْصِيبِ اُخْتُلِفَ فِي الْإِرْثِ بِالْفَرْضِ وَالتَّعْصِيبِ أَيُّهُمَا أَقْوَى ، قِيلَ: إنَّهُ بِالْفَرْضِ أَقْوَى لَتَقَدُّمِهِ وَلِعَدَمِ سُقُوطِهِ لِضِيقِ التَّرِكَةِ ، وَقِيلَ: إنَّهُ بِالتَّعْصِيبِ أَقْوَى ؛ لِأَنَّهُ يَسْتَحِقُّ بِهِ كُلَّ الْمَالِ وَلِأَنَّ ذَا الْفَرْضِ إنَّمَا فُرِضَ لَهُ لِضَعْفِهِ لِئَلَّا يُسْقِطَهُ الْقَوِيُّ ، وَبِهَذَا كَانَ أَكْثَرُ مَنْ فُرِضَ لَهُ الْإِنَاثَ وَكَانَ أَكْثَرُ مَنْ يَرِثُ بِالتَّعْصِيبِ الذُّكُورَ ، وَالْأَصْلُ فِي الذُّكُورِ التَّعْصِيبُ .
وَالْأَصْلُ فِي الْإِنَاثِ الْفَرْضُ فَالتَّعْصِيبُ أَقْوَى مِنْ الْفَرْضِ ؛ لِأَنَّهُ أَصْلٌ فِي الْأَقْوَى ، وَهَذَا هُوَ الَّذِي يَنْبَغِي اعْتِمَادُهُ ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ ( الْإِرْثُ إمَّا بِتَعْصِيبٍ ) مُقَابِلُهُ قَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ: أَوْ بِسِهَامٍ مُقَدَّرَةٍ ، وَالتَّعْصِيبُ: مَصْدَرُ عَصَّبَ بِالتَّشْدِيدِ ، أَيْ صَيَّرَهُ اللَّهُ أَوْ الْإِنْسَانُ عَاصِبًا ، كَالْإِنْسَانِ الذَّكَرِ يُصَيِّرُ أُخْتَهُ عَاصِبَةً ، أَيْ آخِذَةً مَا بَقِيَ ، وَالْعَصَبَةُ جَمْعُ عَاصِبٍ كَطَالِبٍ وَطَلَبَةٍ وَظَالِمٍ وَظُلْمَةٍ ، وَقَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الْعَصَبَةُ جَمْعٌ لَمْ أَسْمَع لَهُ بِوَاحِدٍ وَالْقِيَاسُ أَنَّهُ عَاصِبٌ ، ا هـ وَجَمْعُ الْعَصَبَةِ عَصَبَاتٌ ، وَيُسَمَّى بِالْعَصَبَةِ الْوَاحِدُ وَغَيْرُهُ مُذَكَّرًا كَانَ أَوْ مُؤَنَّثًا ذَكَرَهُ صَاحِبُ ضَوْءِ السِّرَاجِ ، وَقَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ: إطْلَاقُهَا عَلَى الْوَاحِدِ مِنْ كَلَامِ الْعَامَّةِ وَشُبَهِهِمْ ، وَهِيَ لُغَةً: قَرَابَةُ الرَّجُلِ لِأَبِيهِ وَسُمُّوا بِهَا ؛ لِأَنَّهُمْ عَصَبُوا بِهِ أَيْ أَحَاطُوا ، وَكُلُّ مَا اسْتَدَارَ حَوْلَ الشَّيْءِ فَقَدْ عَصَبَ ، وَمِنْهُ الْعَصَائِبُ وَهِيَ الْعَمَائِمُ وَقِيلَ لِتُقَوِّيَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ مِنْ الْعَصْبِ ، وَهُوَ الْمَنْعُ وَمِنْهُ الْعِصَابَةُ لِتُشَدَّ الرَّأْسُ بِهَا قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ: وَقَدْ اسْتَعْمَلَ الْفُقَهَاءُ الْعَصَبَةَ فِي الْوَاحِدِ إذَا لَمْ يَكُنْ غَيْرُهُ ؛ لِأَنَّهُ قَامَ مَقَامَ الْجَمَاعَةِ فِي إحْرَازِ جَمِيعِ الْمَالِ ، وَالشَّرْعُ جَعَلَ الْأُنْثَى عَصَبَةً فِي مَسْأَلَةِ الْإِعْتَاقِ