فهرس الكتاب
وَضَعُفَ جِسْمِي عَنْ عِبَادَتِكَ فَأَعْتِقْنِي ، قَالَ صَالِحٌ الْمُرِّيِّ: قَدِمَ عَلَيْنَا ابْنُ السَّمَّاكِ مَرَّةً فَقَالَ: أَرِنِي شَيْئًا مِنْ بَعْضِ عَجَائِبِ عُبَّادِكُمْ فَذَهَبْنَا بِهِ إلَى رَجُلٍ فِي بَعْضِ الْأَحْيَاءِ فِي خُصٍّ لَهُ فَاسْتَأْذَنَّا عَلَيْهِ فَإِذَا رَجُلٌ يَعْمَلُ خُوصًا فَقَرَأْتُ: { إذْ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ يُسْحَبُونَ فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ } فَشَهِقَ شَهْقَةً ثُمَّ خَرَّ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ ، فَخَرَجْنَا مِنْ عِنْدِهِ وَتَرَكْنَاهُ عَلَى حَالِهِ ، وَذَهَبْنَا إلَى آخَرَ فَقَرَأْتُ عَلَيْهِ الْآيَةَ فَشَهِقَ شَهْقَةً وَخَرَّ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ .
وَاسْتَأْذَنَّا عَلَى ثَالِثٍ فَقَالَ: اُدْخُلُوا إنْ لَا تَشْغَلُونَا عَنْ رَبِّنَا فَقَرَأْتُ: { ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ } فَشَهِقَ شَهْقَةً وَخَرَجَ الدَّمُ مِنْ مَنْخَرَيْهِ وَجَعَلَ يَشْحَطُ فِي دَمِهِ حَتَّى يَبِسَ ، فَتَرَكْنَاهُ عَلَى حَالِهِ ، فَخَرَجْنَا فَأَوْرَدْتُهُ عَلَى سِتَّةِ أَنْفُسٍ كُلٌّ نَخْرُجُ مِنْ عِنْدِهِ وَنَتْرُكُهُ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ ، ثُمَّ أَتَيْتُ بِهِ إلَى السَّابِعِ فَاسْتَأْذَنَّا فَإِذَا امْرَأَةٌ مِنْ دَاخِلِ الْخُصِّ تَقُولُ: اُدْخُلُوا ، فَدَخَلْنَا فَإِذَا شَيْخٌ فَانٍ جَالِسٌ فِي مُصَلَّاهُ فَسَلَّمْنَا عَلَيْهِ فَلَمْ يَشْعُرْ بِسَلَامِنَا ، فَقُلْتُ بِصَوْتٍ عَالٍ: إنَّ لِلْخَلْقِ غَدًا مَقَامًا ، فَقَالَ الشَّيْخُ: بَيْنَ يَدَيْ مَنْ وَيْحَكَ ؟ ثُمَّ بَقِيَ مَبْهُوتًا فَاتِحًا فَاهُ شَاخِصًا بَصَرُهُ يَصِيحُ بِصَوْتٍ لَهُ ضَعِيفٍ: أَوْهِ أَوْهِ ، حَتَّى انْقَطَعَ ذَلِكَ الصَّوْتُ ، فَقَالَتْ امْرَأَتُهُ: اُخْرُجُوا فَإِنَّكُمْ لَا تَنْتَفِعُونَ بِهِ السَّاعَةَ ، وَلَمَّا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ سَأَلْتُ عَنْ الْقَوْمِ فَإِذَا ثَلَاثَةٌ قَدْ أَفَاقُوا وَثَلَاثَةٌ قَدْ لَحِقُوا بِاَللَّهِ تَعَالَى ، وَأَمَّا الشَّيْخُ فَإِنَّهُ مَكَثَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ عَلَى حَالٍ مَبْهُوتًا مُتَحَيِّرًا لَا يُؤَدِّي فَرْضًا ، فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ ثَلَاثٍ عَقَلَ .
وَقَالَ الْحَجَّاجُ لِسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: بَلَغَنِي أَنَّكَ لَمْ تَضْحَكْ قَطُّ ، قَالَ: كَيْفَ أَضْحَكُ وَجَهَنَّمُ