فهرس الكتاب

الصفحة 16818 من 17437

وَاعْلَمْ أَنَّ لِلْمُنْعِمِ مِنْ الْخَلْقِ فِي الشُّكْرِ حَظًّا إمَّا بِالثَّنَاءِ عَلَيْهِ لِيَزْدَادَ مَحِلُّهُ فِي الْقُلُوبِ وَشُهْرَتُهُ وَجَاهُهُ بِظُهُورِ كَرَمِهِ عِنْدَك ، وَإِمَّا بِالْخِدْمَةِ الَّتِي هِيَ إعَانَةٌ لَهُ عَلَى بَعْضِ أَغْرَاضِهِ ، أَوْ بِالْمُثُولِ بَيْنَ يَدَيْهِ فِي صُورَةِ الْخَدَمِ ، وَذَلِكَ تَكْثِيرٌ لِسَوَادِهِ وَسَبَبٌ لِزِيَادَةِ جَاهِهِ ، فَلَا يَكُونُونَ شَاكِرِينَ لَهُ إلَّا بِذَلِكَ ، أَوْ نَحْوِهِ ، وَذَلِكَ مُحَالٌ فِي حَقِّ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ لِأَنَّهُ تَعَالَى غَنِيٌّ غَيْرُ مُحْتَاجٍ إلَى شَيْءٍ ، وَلَئِنْ كَانَ كُلُّ مَا نَفْعَلُ نِعْمَةً أُخْرَى مِنْ اللَّهِ جَلَّ وَعَلَا عَلَيْنَا إذَا قَدَّرَنَا وَوَافَقَنَا ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ دَاوُد وَمُوسَى عَلَيْهِمَا السَّلَامُ أَنَّهُمَا قَالَا:"يَا رَبِّ كَيْفَ أَشْكُرُك ، وَأَنَا لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَشْكُرَك إلَّا بِنِعْمَةٍ ثَانِيَةٍ مِنْ نِعَمِك وَفِي لَفْظٍ آخَرَ: وَشُكْرِي لَك نِعْمَةٌ أُخْرَى لَك تُوجِبُ عَلَيَّ الشُّكْرَ لَك ؟ فَأَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إلَيْهِمَا:"إذَا عَرَفْت هَذَا فَقَدْ شَكَرْتنِي"وَزَمَانُ دَاوُد مُتَأَخِّرٌ عَنْ زَمَانِ مُوسَى ، وَفِي خَبَرٍ آخَرَ:"إذَا عَرَفْت أَنَّ النِّعَمَ مِنِّي رَضِيت مِنْك بِذَلِكَ شُكْرًا"، فَاَللَّهُ الشَّاكِرُ وَاَللَّهُ الْمَشْكُورُ إذْ يُعْطِي وَيُثِيبُ الشَّاكِرَ عَلَى الشُّكْرِ فَإِثَابَتُهُ شُكْرٌ ، وَهُوَ الْمُحِبُّ أَيْضًا وَهُوَ الْمَحْبُوبُ رُوِيَ أَنَّ حَبِيبَ بْنَ حَبِيبٍ قَرَأَ قَوْله تَعَالَى: { إنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إنَّهُ أَوَّابٌ } فَقَالَ: وَاعَجَبَاهُ أَعْطَى وَأَثْنَى ، إشَارَةً إلَى أَنَّهُ إذَا أَثْنَى عَلَى إعْطَائِهِ فَعَلَى نَفْسِهِ أَثْنَى فَهُوَ الْمُثْنِي ، وَعَنْ الْحَسَنِ أَنَّهُ يَقُولُ: يَا ابْنَ آدَمَ مَتَى تَنْفَكُّ مِنْ شُكْرِ النِّعْمَةِ وَأَنْتَ مُرْتَهَنٌ بِهَا ، كُلَّمَا شَكَرْت نِعْمَةً تَجِدُ ذَلِكَ الشُّكْرَ أَعْظَمَ مِنْهَا عَلَيْك ، وَأَنْتَ لَا تَنْفَكُّ بِالشُّكْرِ مِنْ نِعْمَةٍ إلَّا إلَى مَا هُوَ أَعْظَمُ مِنْهَا ؟ وَهُوَ الْمُثْنَى عَلَيْهِ ."

وَقَرَأَ أَبُو سَعِيدٍ الْمِيهِنِي: { يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ } فَقَالَ: لَعَمْرِي

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت