فِيهِ الْحُجَّةُ مِنْ الْأُصُولِ ، فَمَنْ خَالَفَهَا هَلَكَ ، وَمِنْهَا مَا لَا حُجَّةَ فِيهِ مِنْهَا فَهَذَا رَأْيُهُمْ فِيهِ مَقْبُولٌ كَمَا يُقَلِّدُ الْحَاكِمُ الشَّاهِدَيْنِ وَيَقْبَلُ مِنْهُمَا مَا شَهِدَا بِهِ وَيْحُكُمْ وَلَوْ كَذَبَا عِنْدَ اللَّهِ ، وَهُمَا حُجَّةٌ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ إنْ كَانَا عَدْلَيْنِ عِنْدَهُ لِأَنَّهُ خُوطِبَ بِعَدَالَتِهِمَا ، فَلَوْ تَرَكَ شَهَادَتَهُمَا لَظَنَّهَا زُورًا أَوْ وَافَقَ لَكَانَ حُكْمُهُ جَوْرًا لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَرُدَّهَا مِنْ عَدْلَيْنِ عِنْدَهُ بِظَنِّهِ فَيَحْكُمُ بِهِ .
فَالْحَقُّ قَبُولُهَا وَتَرْكُ الظَّنِّ ، وَكَذَا إذَا حَكَمَ وَهُوَ مِمَّنْ يَثْبُتُ حُكْمُهُ كَانَ حُجَّةً عَلَى الْمُتَحَاكِمَيْنِ عِنْدَهُ حَتَّى يَعْلَمَاهُ ، أَوْ أَحَدُهُمَا بَاطِلًا وَقَدْ ذَمَّ اللَّهُ تَعَالَى التَّقْلِيدَ فِي قَوْلِهِ: { وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ } - إلَى - { لَا يَهْتَدُونَ } ، { وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ } - إلَى { - خَذُولًا } { إذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اُتُّبِعُوا مِنْ الَّذِينَ اتَّبَعُوا } - إلَى - { مِنْ النَّارِ } وَهُوَ فِي الْقُرْآنِ كَثِيرٌ ، وَمَنْ السُّنَّةِ مَا رُوِيَ أَنَّ مَشْجُوجًا أَجْنَبَ وَقَدْ انْدَمَلَتْ شَجَّتُهُ ، فَاسْتُفْتِيَ لَهُ فَأُمِرَ بِالِاغْتِسَالِ وَلَمْ يَعْذِرُوهُ ، فَاغْتَسَلَ وَكَرَّتْ عَلَيْهِ وَمَاتَ .
فَأُخْبِرَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { فَقَالَ: قَتَلُوهُ قَاتَلَهُمْ اللَّهُ } "، فَلَمْ يَعْذِرْ الْمُسْتَفْتِيَ وَلَا الْمُفْتِيَ ، وَلَعَلَّهُ لَمْ يَتَأَهَّلْ لِلْفَتْوَى ، أَوْ لَمْ يَتَفَكَّرْ هَلْ يَضُرُّهُ الْبَرْدُ ، أَوْ كَيْفَ صِفَةُ جُرْحِهِ ، وَإِذَا رَفَعَ صَحَابِيٌّ خَبَرًا عَنْهُ بِإِيجَابِ فِعْلٍ لَزِمَ مَنْ بَلَغَهُ الْعَمَلُ بِهِ إلَى إتْيَانِ مَا يَنْسَخُهُ فَيَرْجُو اللَّهَ ، وَكَذَا الْحَاكِمُ يَعْمَلُ بِمَا تَرَجَّحَ عِنْدَهُ ، فَإِذَا تَرَجَّحَ عِنْدَهُ غَيْرُهُ رَجَعَ إلَيْهِ ."
[ قَالَ ] ابْنُ بَرَكَةَ: كُلُّ مَسْأَلَةٍ لَا يَخْلُو الصَّوَابُ فِيهَا مِنْ أَحَدِ قَوْلَيْنِ إذَا فَسَدَ أَحَدُهُمَا بِالدَّلِيلِ صَحَّ أَنَّ الْحَقَّ فِي الْآخَرِ: فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إلَّا