فهرس الكتاب

الصفحة 203 من 481

ومع ذلك فهناك ملاحظاتٌ كثيرةٌ هامّة لا ينبغي أن نتغافل عنها وهي أن الأمريكان لم يُهزَموا عسكريًا في الصومال ولم تقَع بهم خسائر بشرية واقتصادية مؤثرة، كل ما في الأمر أن الموقعة الصومالية كَشَفَت كثيرًا من نقاط ضعفهم النفسي والسياسي وربما العسكري.

5.أكدّت تجربة الصومال على زيف القوة الأمريكية وأنها لم تتخطّى عقدة ?يتنام وأنها تخشى التورط في حربٍ حقيقةٍ تكشف انهيارها النفسي على مستوى الأفراد والقيادة، فهي تسعى منذ ?يتنام إلى المعارك السهلة والمضمونة تمامًا؛ فخاضت سلسلةً مخزيةً من المغامرات في جزيرة جرينادا ثمَّ بنما ثمَّ قَصَفَت ليبيا ثمَّ مهزلة حرب الخليج التي كانت أكبر خُدعَةٍ عسكريةٍ سياسيةٍ عقائديّةٍ في التاريخ، كما أنها مضمونةُ النتائج مائةً بالمائة، ومع ذلك فقد أحضرَت أمريكا معها قواتٍ من ثلاثين دولة ليتحمَّلوا عنها الضربات إذا سارت الأمور على غير ما يُرام، وفي الأخير دَفَعَ عنها العرب والأوروبيون تكلفة الحرب مع الأتعاب!!!

وأرادت أمريكا استمرار هذا المسلسل الهزلي وتَخَيَّلَت أن الصومال مجال مناسب لفصلٍ سخيفٍ آخر، ولكن كان المسلمون هناك؛ فكانت الطامة الكُبرى، ففروا مذعورين قبل أن تنكشف قدراتهم الحقيقية.

6.في مقديشو وبيروت أدَّت عمليات الردع في المدن إلى فرار القوات الأمريكية بطريقةٍ مُهينة ومُخزية. ألا يُشيرُ ذلك إلى أهمية هذا النوع من الحروب وضرورة تطوير قدراتنا فيه من نواحي الأفراد، مناهج التدريب، المعدات المستخدمة ومدى تطورها التكنولوجي، تطوير مناهج الأمن، تطوير الإجراءات الأمنية وتدريب عناصر قادرة في مجال الأمن؟ وبمناسبة الحديث عن الأمن، يُلاحَظ أن المجهود الأكبَر للعدو في ملاحقة وتصفية العمل الإسلامي معتمد على أجهزته الأمنية حتى أن جهازه العسكري للعدو في ملاحقة وتصفية العمل الإسلامي معتمد على أجهزته الأمنية حتى أن جهازه العسكري بدأ يتحول تدريجيًا إلى ما يُشابه الأمن المركزي المتطور، ألا يُحتم ذلك تطوير دراساتنا ومؤسساتنا وممارساتنا الأمنية أم نترك العدو طليقَ الذراع في نشاطه التجسسي والتخريبي ضد العمل الإسلامي بلا رادعٍ حقيقي من جانبنا سواءٌ كان ذلك الرادع احتياطات احترازية أو عمليات اختراق وردع مضادة. وبالمناسبة أيضًا، ألا تحتاج هنا إلى دراسةٍ عن تجربة مجموعات الردع في المُدُن في تجربة الصومال، كذلك دراسةٌ أخرى عن كتائب حرب العصابات سابقة التجهيز وتقييم لتلك التجربة ونتائجها وملاحظات عليها، فنحن نعتزم خوضَ هذه التجربة مستقبلًا - بإذن الله - ولكن ظروفنا تستدعي بعض التعديلات ومن المهم أن نطلع على نتائج التجربة قبل أن نبدأ فيها.

7.هناك قاعدةٌ عسكريةٌ هامّة تقضي باستثنار النصر، فالعدو إذا فرَّ من أرض المعركة لا ينبغي تركه بل يجب مطاردته من موقعٍ إلى آخر حتى يتمَّ استئصاله، وكذلك فعلَ المسلمون في صدر الإسلام عندما بدأوا الجهادَ ضدَّ الفرس والروم. فالحرب ضدَّ الفرس بدأت من جنوب العراق وتطورت من نصرٍ إلى نصر حتى تمَّ القضاء التام على أيِّ قدرةٍ فارسيّة وكانت النهاية في معرك خلف نهر جيجون. أمّا مع الروم ومعاركنا معهم إلى قيام الساعة، فقد طَوَّر المسلمون الأوائل انتصاراتهم المتتابعة حتى خلعوهم من الشام وشمال إفريقيا واستمرَّ الصراع عدة قرون حتى فُتِحَت القسطنطينيّة عاصمة الرومان الشرقيين ... وهكذا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت