فهرس الكتاب

الصفحة 305 من 481

غير أن هذه كلها أمورٌ لا نحفل بها كثيرًا، لأنها في ظاهرها أمورٌ شخصية، وقضايا خاصة، والخلاف بيننا في حقيقته يتجاوز توافه الأمور الشخصية وصغائر الشؤون الخاصة، إلى الأمهات الأمور المهمة، وعظائم قضايا الأمة.

وقد سبق لنا أن وعدنا في بياننا الأول (رقم 1) أن نرجع إلى هذا الموضوع، ووفاء بذلك الوعد يأتي هذا البيان، إحقاقًا للحق وإنصافًا للخلق، ليهلك من هلك على بينة، ويحي من حي عن بينة.

وسوف نجمل الأمور هنا إجمالًا دون تفصيل، وإيجاز دون تطويل، على أن تجد سبيلها للشرح في خطابات لاحقة إن شاء الله مكتفين في هذا الخطاب بالإشارة أحيانًا دون العبارة، وبالتلميح دون التصريح، صيانة للقلم، وحفظًا للسان، مقتصرين بالتناول على مايلي:

أولًا: لقد دأب علماؤنا الأجلّاء، ودعاتنا الفضلاء، منذ زمنٍ طويل على نصحكم وتذكيركم، متوخين في ذلك أسلوب الرفق واللين بالحكمة والموعظة الحسنة داعين إلى الإصلاح والتوبة من المنكرات العظام، والمفاسد الجسام، التي شمل التجاوز فيها حقوق المواطنين الشرعية، ومحكمات الدين القطعية. ولكن - للأسف الشديد - لم يجدوا منكم إلا الصدود والإعراض، بل والسخرية والاستهزاء، ولم يقف الأمر عند حد تسفيههم فقط، بل تعززت المخالفات السابقة بمنكرات لاحقة أكبر وأكثر، كل ذلك في دولة العقيدة وبلاد التوحيد ... فلم يعد السكوت مستساغًا، ولا التغاضي مقبولًا. ولما بلغ التجاوز ما بَلَغ، وتعدى حدود الكبائر والموبقات إلى نواقض الإسلام الجليات، قامت مجموعةٌ من العلماء والدعاة الذين ضاقت صدورهم ذرعًا بما أصمَّ آذانهم من أصوات الضلال، وغشي أبصارهم من حجب الظلم، وأزكم أنوفهم من رائحة الفساد. فانبعثت نذر الرفض، وارتفعت أصوات الإصلاح داعية لتدارك الموقف، وتلافي الوضع، وانضم إليهم في ذلك المئات من المثقفين والوجهاء، والتجار والمسؤولين السابقين، فرفعوا إليكم العرائض والمذكرات المتضمنة المطالبة بالإصلاح، ففي سنة 1411 هـ، إبّان حرب الخليج رفعت إليكم عريضة وقعها حواليّ أربعمائة شخصية من هؤلاء تدعوكم لإصلاح أوضاع البلاد، ورفع الظلم عن العباد، غير أنكم تجاهلتم النصح، واستهزأتم بالناصحين، وظلت الأوضاع تزداد سوءًا على سوء.

وحينئذٍ أعاد هؤلاء الناصحون الكرة من جديد بمذكرات وعرائض أخرى كان من أهمها مذكرة النصيحة التي سلمت لكم في محرم 1413 هـ والتي شَخَصَّت الداء ووصفت الدواء، في تأصيلٍ شرعيٍّ قويم، وعرضٍ علميٍّ سليم، فتناولت بذلك الفجوات الكبرى في فلسفة النظام، ومواضع الخلل الرئيسية في دعائم الحكم، فبينت ما يعانيه علماء ودعاة البلاد من تهميشٍ وتحييد، بل ومن ملاحقة وتضييق.

وأوضحت حالة الأنظمة واللوائح في البلاد، وماتضمتنه من مخالفات شملت التحريم والتحليل تشريعًا من دون الله. وتعرضت لوضع الإعلام في البلاد الذي أصبح وسيلة لتقديس الأشخاص والذوات، وأداة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت