فهرس الكتاب

الصفحة 335 من 481

3.إن هؤلاء الحكام المرتدين المحاربين لله ورسوله لا شرعيةَ لهم ولا ولايةَ لهم على المسلمين وليس لهم النظر في مصالح الأُمَّة، ولكنكم بفتواكم هذه تعطون الشرعية لهذه الأنظمة العَلمانية وتعترفون بولايتها على المسلمين، وهذا ما يتناقض مع ما عُرِفَ عنكم من تكفيرها في في السابق، وقد بَيَّنَ لكم ذلك نُخبةٌ من العلماء والدعاة في مناشدتهم إياكم سابقًا بالامتناع عن هذه الفتوى، وسنرفق لكم صورة من تلك المناشدة تذكيرًا لكم وتنبيهًا.

إن فتواكم هذه كانت تلبيسًا على الناس لما فيها من إجمال مخل وتعميم مضل، فهي لا تصلح فتوى في حكم سلامٍ منصف، فضلًا عن هذا السلام المزيف مع اليهود الذي هو خيانةٌ عُظمى للإسلام والمسلمين، لا يقرها مسلم عادي فضلًا عن عالمٍ مثلكم يفترض فيه من الغيرة على المِلة والأُمَّة. إن الواجب فيمن يتصدى للفتوى في قضايا الأُمَّة الخطيرة الكبيرة، أن يكون على علم بأبعادها وما قد يترتب عليها من أضرار وأخطار، لأن العلم بذلك من شروط المفتي التي لا غنى عنها. يقول الإمام ابن القيم:"ولا يتمكن المفتي ولا الحاكم من الفتوى والحكم بالحق إلا بنوعين من الفهم، أحدهما فهم الواقع والفقه فيه واستنباط علم حقيقة ما وقع بالقرائن والأمارات والعلامات حتى يحيط بها علمًا، والنوع الثاني فهم الواجب في الواقع وهو فهم حكم الله الذي حكمه في كتابه وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم في هذا الواقع، ثم يطبق أحدهما على الآخر."ا. هـ. [إعلام الموقعين 1/ 87] .

وإذا كانت الشروط لازمة للفتوى بصورة عامة، فإنها تتأكد في الفتوى فيما يتعلق بالجهاد والصلح ونحوه. يقول الإمام ابن تيمية - رحمه الله:"والواجب أن يعتبر في أمور الجهاد برأي أهل الدين الصحيح الذين لهم خبرة بما عليه أهل الدنيا، دون الذي يغلب عليهم النظر في ظاهر الدين، فلا يؤخذ برأيهم، ولا برأي أهل الدين الذين لا خبرة لهم في الدنيا." [الاختيارات الفقهية صـ 311] .

إن الفتاوى السابقة لو صدرت عن غيركم لقيل بتعمد صاحبها ما تتضمنه من الباطل، ويترتب عليها من أثار وأخطار، ولكنها لما صدرت منكم تعين أن يكون سبب الخلل فيها غير ذلك من الأسباب التي لا ترجع إلى نقص علمكم الشرعي، ولكن لعدم إدراك حقيقة الواقع، وما يترتب على مثل هذه الفتاوى من أثار، مما يجعل الفتوى حينئذ غير مستوفاة الشروط ومن ثم لا يصح إطلاقها، مما يحتم على المفتي عندئذ أن يتوقف عن الفتوى أو يحيلها حينئذ على المختصين الجامعين بين العلم بالحكم الشرعي والعلم بحقيقة الواقع. وقد ثبت أن الإمام أحمد بن حنبل كان يتوقف في كثير من المسائل، وقد كان الإمام مالك إذا سئل عن القراءات أحال إلى الإمام نافع رحمهم الله جميعًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت