المؤكدة الثانية، وذلك بشيء من الإيجاز والإجمال، لأن ما ذكرناه في بياننا السابق، وما بينته رسائل وفتاوى أهل العلم في الداخل والخارج من بطلان هذه الفتاوى يغني عن التطويل والتفصيل في الموضوع بما لا يتسع له مثل هذا البيان.
وعليه فإننا سنوجز كلامنا فيما يلي:
أولًا: إن كل ما سقتموه من أدلة في الفتوى الأولى والثانية غاية أمره أن يدل على جواز الهدنة مع العدو عند توفر الشروط اللازمة. وقد بَيَّنَ أهل العلم أن ما يجري بشأن فلسطين الآن ليس من الصلح المعتبر شرعًا في شيء، لأنه لم يتوفر فيه من الأركان والشروط إلا ما كان من قبل العدو، فطرف العقد الثاني هو زمرة من العَلمانيين المرتدين من حكام العرب، ومحل العقد هو أرض فلسطين ومسرى الرسول صلى الله عليه وسلم التي هي أرض إسلامية، وصيغة العقد قاضية بتملك هذه الأرض لليهود تمليكًا أبديًا، وتلغي فرض الجهاد بشكل دائم. ولما كان الإجماع منعقدا على بطلان ولاية المرتد، ومنعقدا كذلك على بطلان أي عقد يقضي بتمليك أي شبر من أرض المسلمين للعدو، علم بذلك أن هذا المسمى «سلامًا» باطلٌ من أساسه بالإجماع. ومما يثير العجب والاستغراب هنا هو وصفكم لرئيس ما يُسمّى «السلطة الوطنية الفلسطينية» وشرذمته العَلمانية بأنهم"وليُّ أمر المسلمين في فلسطين"وبالتالي يجب الالتزام بما يعقده من عقود ويلتزم به من معاهدات مع العدو، مع أنه من المعلوم من فتاوى أهل العلم أن العَلمانية كفرٌ مخرجٌ من المِلة، وأنتم ممن أفتى بذلك مرارًا وتكرارًا. وهؤلاء لم يُخفوا في يومٍ من الأيام منهجهم العَلماني الفاضح الواضح في أقوالهم وأفعالهم ومواثيقهم، فكيف يستقيم مع هذا وصفهم بأنهم"وليُّ أمر المسلمين في فلسطين"؟
ثانيًا: إن ما بينت عليه هذه الفتوى من دعوى ضعف المسلمين وعجزهم عن قتال اليهود باطل هو الآخر، باطل من جهة كونه لم يصدر من قبل أهل النظر والاختصاص، ومن ليس أهلا للنظر في مثل هذه الأمور لا يجوز له الحكم بناء على نظره ولو أصاب الصواب. وهو باطلٌ أيضًا من جهة كونه لم يصادف الصواب هنا، فمَنْ مِنْ أهل الخبرة والاختصاص - الذين هم المرجع في تقدير مثل هذه الأمور - قال لكم إن أكثر من مليار مسلم يملكون أكبر ثروة في العالم وأهم المواقع الاستراتيجية فيه، عاجزون عن مواجهة خمسة ملايين يهودي في فلسطين؟ إن علة المسلمين اليوم ليست في الضعف العسكري، ولا في الفقر المادي، وإنما ينقصها علماء من أمثال ابن تيمية وحكام من جنس صلاح الدين - رحمهم الله - حتى يجتمع صلاح السلطان وصدق الإيمان وهدي القرآن، وعندئذٍ لن تغلب منهم اثنا عشر ألف من قلة، {وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ} .