فهرس الكتاب

الصفحة 355 من 481

ثالثًا: حدود طاعة العلماء وتعظيمهم في الإسلام

لا شكَّ أن اتبّاع العلماء فيما يُبَيِّنون من حق ويدعون إليه من خير واجبٌ على المسلمين، يقول تبارك وتعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ} وقد سَبَقَ أن بَيَّنا أن طاعة الله ورسوله تقتضي طاعة العلماء لأنهم ورثة الأنبياء، وطاعة أولي الأمر يدخل فيها طاعة العلماء أيضًا لأن المفسرين فسروا أولي الأمر بأنهم العلماء أو العلماء والأمراء، قال تبارك وتعالى: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} .

والنصوص في هذا الباب كثيرة نكتفي بذكر ما ذكرناه منها لنبني عليه حدود الطاعة والاتباع للعلماء، وذلك أن كثيرًا من الناس يخطئ فيظن أن طاعة العلماء مطلقة عمياء لا حدود لها، وهذا خطأ فاحش، لأن العلماء ليسوا معصومين فهم عرضة للخطأ ومجانبة الصواب كما قال الإمام مالك:"كل كلام يؤخذ منه ويرد إلا كلام صاحب هذا القبر."، يعني الرسول صلى الله عليه وسلم، والعلماء وإن كانوا معذورين فيما يصدر منهم من أخطاء بعد تحريهم للصواب، فإن الناس غير معذورين في تقليدهم المطلق دون تحر للصواب، ولهذا قال ابن مسعود:"ألا لا يقلدن أحدكم دينه رجلًا إن آمَن آمَن، وإن كَفَرَ كَفَرْ، فإنه لا أسوة في الشر."وقال الإمام أحمد:"من قلة علم الرجل أن يقلد دينه الرجال."ولقطع الطريق على التقليد الأعمى للعالِم حَذَّرَ الشرع من التعظيم الزائد للعلماء، فَقَصَّ في القرآن أن من أسباب كفر أهل الكتاب مبالغتهم في تعظيمهم علمائهم حتى أصبحوا يصدرون عن أقوالهم في التحليل والتحريم من دون الله، قال تعالى: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ} ، وهذا الاتخاذ كما فسره حديث عُدَيّْ الذي رواه الترمذي وأحمد وغيرهما، كان بطاعتهم إياهم في تحليل الحرام وتحريم الحلال، وقد حَذَّرَ علماء المسلمين من الوقوع فيما وقع فيه أهل الكتاب فصنفوا في ذلك وألفوا وممن بوب على هذا الموضوع الشيخ محمد بن عبد الوهاب - رحمه الله - في كتاب التوحيد حيث قال:"باب من أطاع العلماء والأمراء في تحريم ما أحلَّ الله أو تحليل ما حَرَّم فقد اتخذهم أربابًا."إن طاعة العلماء واتباعهم مربوطة بقدر التزامه بالحق ودفاعهم عنه، وبقدر ميلهم عن الحق ومجانبتهم إياه يكون البراء منهم والعداوة لهم، فذلك هو الميزان الشرعي الصحيح الذي دلت عليه النصوص وتواتر به عمل سَلَفِ هذه الأُمَّة الصالح، والولاء المطلق لهم فيما هم عليه من الحق والباطل هو إخلالٌ بمقتضى الإيمان الذي أوثق عراه الحب في الله والبغض فيه.

ولما كان العلماء ليسوا معصومين وتصدر منهم الأخطاء، كان لا بُدَّ من بيان الأسلوب الشرعي في بيان تلك الأخطاء وهو موضوع الفقرة الرابعة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت