رابعًا: الأسلوب الشرعي في بيان أخطاء العلماء
تختلف أسباب أخطاء العلماء كما تتفاوت آثار هذه الأخطاء، وتبعًا لذلك تتحدد طريقة الرد وأسلوب البيان المناسبين لتلك الأخطاء، فإذا كان الخطأ في مسألة جزئية غاب فيها الدليل أو خفي أو تعارضت الأدلة وتحري فيها الصواب يكون المناسب التنبيه إلى الصواب برفق ولطف دون تشنيع ولا تقريع.
وإذا كان الخطأ في جليات الدين وقطعيات الشريعة والمسائل التي في حكمها مما انتصبت عليه الأدلة وشهدت له البراهين، فإن الشدة على المخالف والقسوة في القول له مطلوبة، للتنفير من قوله والتحذير منه، فقد قال صلى الله عليه وسلم لأبي ذر لما عَيَّرَ بلالًا بأمه: (( إنك امرؤ فيك جاهلية ) ) [رواه البخاري] .
وقال للرهط الذي أفتوا صاحبهم بالاغتسال وحكمه التيمم فمات (( قتلوه قتلهم الله، ألا سألوا إذ لم يعلموا، إنما شفاء العي السؤال ) ) [رواه أبو داود وابن ماجة وابن حنبل] .
وقال أبو بكر لعُمَر - رضي الله عنهم -"أجبارٌ في الجاهلية خوار في الإسلام."وقال ابن عباس لمن خالفوا حديثه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم محتجين بفعل أبي بكر وعُمَر:"يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء أقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وتقولون قال أبو بكر وعُمَر." [رواه الإمام أحمد في مسنده] .
ولم يزل هذا دأب أهل العلم يشتدون في الرد على المخالف ويقسون في مثل هذه الأمور والنقول في ذلك كثيرة، منها ما نقل من أن الإمام أحمد رحمه الله رفض أن يَرُدَّ السلام على الإمام يحيي بن معين رحمه الله لما جاء يزوره في مرض موته، بسبب قول الإمام يحيي بن معين ببعض قول المعتزلة تحت إكراه العباسيين متأولًا، ولما استدل له يحيي بحديث عمار في الإكراه على كلمة الكفر ما قبل منه الإمام أحمد ذلك وقال بعد أن خرج من عنده"يستدل بحديث عمار."، ومنها ما نقل عن ابن تيمية - مع اعتداله وإنصافه لمخالفيه - من ردود شديدة عليهم إذا كان الخلاف في مثل هذه الأمور، فقد قال فيمن يرى أن التتار يقاتلون قتال البغاة لا قتال الكفار:"إنه قد أخطأ خطأً قبيحًا وضل ضلالًا بعيدًا."
وقال ابن الجزري رحمه الله معلقًا على قول الإمام أبي شامة بعدم تواتر القراءات السبع:"انظر يا أخي إلى هذا الكلام الساقط الذي خرج من غير تأمُّل، المتناقض في غير موضع في هذه الكلمات اليسيرة، أوقفت عليه شيخنا الإمام ولي الله أبا محمد بن محمد بن محمد الجمالي فقال ينبغي أن يعدم هذا الكتاب، كتاب أبي شامة ... قلت: ونحن نُشهد الله أنا لا نريد إسقاط الإمام أبي شامة إذ الجواد قد يعثر ولا نجهل قدره"