فهرس الكتاب

الصفحة 357 من 481

بل الحق أحقُّ أن يُتَبَّع، ولكن نقصد التنبيه على هذه الزلة المزلة ليحذر منها من لا معرفة له بأقوال الناس ولا اطلاع له على أحوال الأئمة." [عن كتاب منجد المقرئين ومرشد الطالبين صـ 62] . ويقول الإمام النووي إن منهجه في المجموع يقتضي المبالغة في تغليط صاحب القول الضعيف والزائف:"ولو كان من الأكابر وإنما أقصد بذلك التحذير على الاغترار به.""

هذه نقولٌ مستفيضة من الأحاديث الصحيحة وأقوال الصحابة والعلماء تبين مشروعية الشدة على المخالفين في هذه الأمور كائنًا من كان فالحق أحقُّ أن يُتَبَّع وزلة العالم ليست من الحق في شيء، يقول الشاطبي رحمه الله:"إن زلة العالم لا يصح اعتمادها من جهة ولا الأخذ بها تقليدًا له وذلك لأنها موضوعة على المخالفة للشرع ولذلك عدت زلة وإلا لو كانت معتدًا بها لم يجعل لها هذه الرتبة ولا نسب إلى صاحبها الزلل فيها." [الموافقات للشاطبي صـ 170 - 171] .

والرفق في بيان الخطأ والزلة قد يكون مطلوبًا في حالات كما أن الشدّة مطلوبة في حالات أخرى، والحكمة هي استعمال الأسلوب المناسب في الحال المناسب ولكل مقام مقال. إن النصوص السابقة قد دلت على مشروعية الرد بشدة وقوة على المخالف في مثل تلك المواضيع بعد تحريه للصواب وبحثه عن الحق، وهي تدل من باب أولى على مشروعية ذلك في حق أولئك الذين لم يتحروا الصواب بل جانبوه عن عمد وخالفوه عن قصد بعد أن تبين وبين لهم، وسخروا علمهم وعملهم لخدمة السلاطين الذين بارزوا الله بالحرب وكاشفوه بالعداء، فإذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم قد قال في حق أولئك الذي أفتوا صاحبهم بالاغتسال عن جهل فمات (( قتلوه قتلهم الله ) )فماذا ينبغي أن يقال في حق من يفتون فتاوى يترتب عليها قتل الألوف، بل ضياعُ أُمَّة بأجمعها؟ وبماذا يُرَدُّ عليهم وهم يبيحون بلاد الحرمين والقدس وفلسطين لأعداء الله تبارك وتعالى؟ وما القول المناسب في حقهم وهم يقرون ولاية المرتدين الذين يتحالفون مع اليهود لحرب المجاهدين في فلسطين وغيرها؟ بل ماذا ينبغي أن يقال في حقهم وقد تواطؤا مع حكام السوء على وأد كلمة الحق والوقوف في وجه من جهر بها ودعا إليها ممن نحسبهم من العلماء الصادقين والدعاة والمصلحين، وساهموا فيما يعانيه هؤلاء من سجن واعتقال ومحاصرة وتضييق؟

إن أصحاب هذه المواقف والفتاوى ممن رضوا بأن تتترس بهم الأنظمة الظالمة وتدافع بهم عن أوضاعها الفاسدة، أصروا على الوقوف معها في خندقٍ واحد، ليس لهم ولا لغيرهم أن يجدوا في أنفسهم إذا أصابهم جزء مما يقتضيه الواجب الشرعي من تعرية باطل تلك الأنظمة والعمل على رفع ظلمها عن العباد. ولا ينفع هؤلاء ما قد يفترضه بعض الناس من أن الأنظمة الحاكمة هي التي استغفلتهم ولبست عليهم، حتى تستصدر منهم تلك الفتاوى والمواقف، فإن هذا الافتراض - لو صح - لا يُغَيِّرُ من الآثار الخطيرة والمفاسد الكبيرة المترتبة على تلك الفتاوى والمواقف، مما يعني بقاء الحكم الشرعي بالعمل على إزالتها،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت